سمير صادق , ميرا البيطار :
بعد كل هزيمة عربية ولد نوعا من الثقافة القائمة على استحضار العجائب والمعجزات وعودة الأنبياء الذين سيعملون على هزيمة العدو , فمن ينصر الله ينصره هذا الله, والبرهان على ذلك نصرته للمؤمنين في غزواتهم , وكأن انتصار المحتلين الغزاة اقتصر على المؤمنين , فهلاكو انتصر والبدوية انتصرت بدون ايمان , اذ عندما بدأت البدوية بالغزو لم يكن لها دين , وقراءة الشهادتين لم يكن الا تعبيرا عن ايمان شكلي دجلي لفظي منافق , فمعظم قراء الشهادتين ارتدوا عن الدين بعد وفاة ابن عبد الله , وكانت هناك بالنتيجة حروب الردة , التي اودت بحياة عشرات الألوف من البشر,استمر التحارب بين الفئات الدينية لاحقا ولم تكن تلك الحروب أقل ضراوة من حروب الردة .
استمرار التحارب يعني استمرار الفشل , واستمرار الفشل تسبب باضطرابات نفسية جماعية ,والآن يعرف الطب النفسي مرضا سمي متلازمة النوستالجيا , التي تعني الحنين للماضي , الذي تم تبريره بافتراض كون هذا الماضي كان مجيدا , وتكفي العودة اليه والى اساليبه وممارساته لبعث المجد من جديد , ولكن لم يكن ذلك الماضي مجيدا , وحتى افتراض كونه كان مجيدا لايعني نقله الى الحاضر تحقيق المجد ,فالوصول الى المجد يتطلب وسائل واستعمال وسائل الماضي في الحاضر يعني زرع الماضي في الحاضر , أي الاعتماد على الجمل والناقة في التنقل والتداوي ببول البعير الخ لايشفي من المرض, ثم استعمال السيف في الحروب وغير ذلك , أي استحضار التأخر وبالتالي النقيض من الأمجاد , وبهذا الهدف سمي حزب باسم البعث ,اي بعث الماضي من جديد , لاشك بأن البعض حصر النقل ” بالمجد ” كمنتج وليس باستخدام وسائل الماضي ,ولكن الغالبية العظمى لم تحصر النقل بتحقيق الأمجاد فقط انما باستخدام وسائل الماضي , التي لاتنتج سوى نسخة طبق الأصل عن ذلك الماضي الذي كان أصلا تعيسا , واعادة استخدام وسائله في الحاضر ستنتج وضعا اشد تعاسة من ذلك الماضي .
أعطى الطب النفسي لظاهرة الحنين الى الماضي ومحاولة اعادة انتاجه اسم مرض أو متلازمة النوستالجيا, الذي عملت انظمة القهر السلطوي القاصرة على توسيع انتشاره , أي توسيح اننتشار المرض النفسي المتصف عموما بخبل الحنين الى الماضي البدائي ,لأنظمة القهر السلطوي مصلحة في انتشار كل أنواع الخبل لأن الخبل الشعبي يساعد هذه الأنظمة على الاستمرار في الوجود الاستغلالي السياسي والمادي ,ثم توفر هذه الأنظمة على نفسها عناء مراجعة برامجها , التي أثبت الواقع ان الزمن تجاوزها ولم تعد صالحة سوى للرمي على مزابل التاريخ , الذي يرفض “التحنيط” المستمر والتحول الى صنم ,الحل حسب رغبة تلك الانظمة هو اصابة الجميع بجائحة النوستالجيا الممثلة لسد أمام التقدم ومشنقة للعقول ووكرا لجرابيع التعفن وتنكرا للحداثة , التي لايمكن ان توجد في ثنايا الماضي , خاصة ذلك الماضي , الذي كان في زمانه ايضا عقيم كالصحراء التي وجد بها .
عمليا يمكن للتقدم ان يولد من رحم الهزيمة كما حدث للعديد من المجتمعات , لكن التقدم لايستقيم مع بقاء التسلط السلطوي على كرسي السلطة, لذلك يسعى التسلط السلطوي الى افشال اي تقدم وبالتالي ضمان ايقاء المحكومين في حالة النوستالجيا الأفضل للتأخر والأسوأ للتقدم والمريحة للتسلط السلطوي الاستبدادي , وهذا ما حدث ليس على يد القهر السلطوي المدني كالعسكر فقط , انما بالشراكة والدعم الفعال من المؤسسات الدينية , التي ائتلفت مع العسكر السلطوي احيانا بهدف تقاسم الغنيمة , واحيانا تحاربت مع العسكر بشراثة من أحل الغنيمة , ما جمع المؤسسات الدينية ورجالها مع التسلط الاستبدادي العسكري كانت حصص الغنائم وما أزم العلاقة بينهما كان الاختلاف على حصص الغنائم !, ازمان حالة الاستغلال والهيمنة من قبل تنائي العسكر -الدين جذر خاصة الادمان على التأخر في نفوس الناس , والتأخر تمثل بالانسداد والعقم والابتعاد عن الحداثة , كل ذلك تحقق بالانشداد الى الماضي والحنين اليه اي ما تسمى النوستالجية
Views: 3