هل الحرب استقالةً مؤجلة : نتنياهو وترمب وإيران في مواجهة صناديق الاقتراع

مروان صباح:
٣-١٠-٢٠٢٦
صحيفة أرجنتينية تنشر كاريكاتير عن التوتر المتصاعد بين إيران وأمريكا في قاموس بعض السياسيين ، لا تُحسم الانتخابات في صناديق الاقتراع ، بل في غرف العمليات ؛ فإذا خسرتَ انتخابيًا ، فلا تعتزل ولا تعتذر، بل ابحث عن أزمة خارجية تُشعلها ، أو جبهة بعيدة تفتحها ، ثم قل للعالم إنك تحمي الأمن القومي ، هكذا تتحول الديمقراطية إلى مسرح ، والدبلوماسية إلى مؤثرات١صوتية ، والمواطن إلى كومبارس يدفع فاتورة النفط والغاز والحبوب ، ومن البرازيل إلى إسرائيل إلى واشنطن ، يبدو أن تيار اليمين العالمي اكتشف وصفة سحرية : إذا هزمتك الأصوات ، فجرّب الرصاص ، والسؤال ليس هل تستطيع الحرب إنقاذ هؤلاء ، بل هل ما زال هناك من يصدّق أن الحرب تُعوّض عن الشرعية؟
تلقى تيار اليمين العالمي ، بعد هزيمته في البرازيل ، هزيمة أخرى في إسرائيل ، وهو يتجه كذلك نحو هزيمة محتملة في الولايات المتحدة خلال الانتخابات النصفية ، وهذا الانكشاف يضع إدارة ترمب وحكومة نتنياهو في موقف مكتوفي الأيدي ، فلا يكادان يعرفان كيف يخرجان من مسار الهزائم المتتالية ، فهل يمكن لضربة عسكرية على إيران أن تنقذهما ؟ أم أن امتصاص الإيرانيين لها ، وهو الاحتمال الأرجح ، سيعمّق الوضع السياسي المتأزم في البلدين؟ ، هذا سؤال مشروع ، ويحسن أن يُسأل التاريخ القريب عنه : فهل كانت العمليات العسكرية مجدية ، أم أنها أنهكت النظام الإيراني من دون أن تحسم شيئًا؟ والسؤال التالي : هل ستوجّه إيران هذه المرة ضربة عسكرية مختلفة إلى إسرائيل ، قد تكون قاضية على اقتصادها المترنح أصلًا؟ وهنا يتداخل الواقع بالافتراض ، والتقدير بالمعلومة ؛ إذ يتحول الخوف من الحرب إلى وقود للتحليل ، فيصير كل سيناريو محتمل حقيقةً جاهزة في خطاب البعض ، حيث يحاول نتنياهو ، الذي تلقى هزيمة كبيرة في الانتخابات التشريعية ، تأجيل تشكيل الحكومة بوضع عراقيل أمام المعارضة ، انتظارًا لانتهاء الانتخابات النصفية الأمريكية ؛ لعله يظن أن حربًا مكثفة وقصيرة على إيران تعيده إلى رئاسة الحكومة ، وهو أمر يُعدّ مقامرة بامتياز : مقامرة يضع فيها نتنياهو نفسه في مواجهة إسرائيل بأكملها ، لا في مواجهة خصومه السياسيين فقط ، والسؤال النقدي هنا : هل تُشكّل الحرب فعلًا مخرجًا انتخابيًا؟ أم أنها ستُضاف إلى سجل الهزائم ، وتُعمّق العزلة الداخلية والخارجية؟ فالتاريخ القريب لا يشير إلى أن الحروب القصيرة تُنتج انتصارات سياسية دائمة ، بل غالبًا ما تُنتج فواتير أمنية واقتصادية مؤجلة .
من الناحية العسكرية ، ليست إسرائيل في وضع يسمح لها بفتح حرب واسعة ضد إيران لأبسط الأسباب ، وهو عدم توفر مخزون عسكري كافٍ لذلك ، وفي مقدمته منظومات اعتراض الصواريخ المضادة للهجمات الصاروخية والمسيّرات الإيرانية ، كما أن الولايات المتحدة ، وإن عزّزت دفاعاتها وضاعفت ذخائرها في الأشهر الأخيرة ، لا تستطيع أن تضمن أن ضرب البنية التحتية والطاقة الإيرانية سيكون دون رد مماثل على إسرائيل والمنطقة ، وهنا يجب التمييز بين مستويين : مستوى الاستعداد العسكري المعلن ، ومستوى النتائج الاستراتيجية المتوقعة ، فالأول قد يكون جاهزًا ، أما الثاني فمحفوف باحتمالات لا يمكن ضبطها ، ولهذا يبدو السؤال المشروع : هل الضربة أداة إنقاذ سياسي ، أم أنها مغامرة تُعمّق الهشاشة القائمة ؟، فليست كل الاستعدادات العسكرية الأمريكية في المنطقة جديدة ، فقد حدثت من قبل ، فحاملات الطائرات والقوات البرمائية والبرية وغيرها ما زالت هي نفسها ، وتتشابه مع الحشد الذي نفذته الولايات المتحدة أثناء احتلالها العراق ، غير أن المختلف هو عدم مشاركة الدول الأوروبية والغربية في هذه الحرب ؛ أولًا لأنها تعتبرها غير شرعية وغير مجدية ، وثانيًا لأنها غارقة في وحل الحرب الروسية في أوكرانيا ، وثالثًا لأنها تدرك جيدًا أن الحرب إن طالت ، بدعم روسي صيني كما هو متوقع ، فسينهار الاقتصاد الأوروبي أكثر مما هو عليه ، وهنا تظهر المفارقة : بينما يتحدث السياسيون عن “ضربة قصيرة”، يتحدث الاقتصاديون عن شتاء قارس ، وارتفاع تدريجي لأسعار النفط ، وأزمة حبوب وغاز تنتظر أوروبا ، فالحرب ، حتى لو كانت “محدودة” في الخطاب ، تكون مفتوحة في الكلفة .
ثمة معلومات استخباراتية مؤكدة ، وهي في الحقيقة سيناريوهات معقولة في ظل الحرب الروسية الاوكرانية ، ومنها : الدعم الروسي الصيني الكوري الشمالي لإيران : حيث التقديرات بأن هذه الدول أمّنت لإيران ما تحتاجه الحرب لشهور طويلة ، كما أن هناك نوايا إيرانية لإجراء تجربة نووية في البحر : تماماً كما ان هناك دور لكوريا الشمالية في نقل خبرات للإيرانيين في قطع كابلات الإنترنت في عمق البحر ، فالكوريون يعيشون في جزيرة صغيرة ويمضون معظم الوقت في أعماق المياه : وهو ما يضاعف الأزمة الدولية مع إغلاق مضيق هرمز الذي بات يشهد يومياً انفجارات للسفن ، تحديداً بعد تحول أفغانستان إلى داعم لطهران : حيث باتوا الإيرانيون والصينيين الحلفاء لأفغانستان وبعد اخراجها من الحضن الباكستاني التقليدي ، وهذا تقدير سياسي يتطلب إلى متابعة تطورات العلاقات الإقليمية وكيف باتت تتشكل على نحو مختلف تماماً عن الماضي ، حيث يجد بوتين فرصة ذهبية في اشعال الحرب مع الايرانيين بهدف التمدد إلى عمق أوكرانيا .
بعيدًا عن جميع التقديرات القادمة من هنا وهناك ، تبقى هناك حقيقة واحدة يصعب تجاهلها : أن إسرائيل تواجه مأزقًا مركبًا — أزمة شرعية داخلية بعد انتخابات غير حاسمة ، وأزمة أمنية مع إيران ، وأزمة اقتصادية عالمية تهدد الجميع ، وفي هذا السياق ، ليس أمام المعارضة الإسرائيلية سوى البحث عن تحالفات جديدة ، بما في ذلك التحالف مع الأحزاب العربية ، لتشكيل حكومة تعيد النظر في أهداف الحرب ونتائجها ، وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الحل السياسي ، لا العسكري ، هو ما تفرضه الوقائع .
إن تحويل الهزيمة الانتخابية إلى مغامرة عسكرية ليس دليل قوة ، بل اعتراف متأخر بالعجز ، فالحرب ليست استقالة مؤجلة ، ولا صندوق اقتراع بديلًا ، ولا شعارًا انتخابيًا يُرفع فوق أنقاض المدن وأسعار الطاقة ، وما يطرحه هذا المقال من فرضيات حول نتنياهو وترامب وإيران يستحق النقاش ، لكن الدرس السياسي الأهم أن اليمين العالمي عندما يعجز عن إقناع ناخبيه ، يبحث عن عدو خارجي يوحّد خلفه الخائفين والمترددين ؛ إلا أن هذا العدو سرعان ما يتحول إلى فاتورة اقتصادية وسياسية وأخلاقية باهظة .

المخرج الحقيقي ليس حربًا قصيرة ولا ضربة خاطفة ، بل إعادة بناء الشرعية عبر السياسة : حكومات تُشكّل على أساس برامج لا أوهام ، ومعارضات تتحالف على مصالح مدنية لا على حسابات تكتيكية ، ودول تُراجع أهداف حروبها قبل أن تفتح جبهات جديدة ، لأنها ستتلقى هزيمة عسكرية تضاف لهزيمة صناديق الاقتراع ، أما إسرائيل ، فليست بحاجة إلى حرب أخرى بقدر حاجتها إلى مراجعة جدية لخياراتها ، وإلى قيادة تدرك أن الأمن لا يُبنى على رهان دائم على الفوضى…والسلام      

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *