مروان صباح :
تنويه : أبدأ بنَكْشَة تذكيرية قبل مقال اليوم ” ، أحيانًا أعود إلى ذاكرتي لأحتفي بالوفاء ، فأجدني أقيم الحفل وحدي ؛ فكل الذين كنتُ وفيًّا لهم غادروا ، وكأن الوفاء كان تذكرة ذهاب فقط ، لا عودة فيها ، لا بأس ، على الأقل خرجتُ من كل تجربة بدرس ثمين : هو أن لا تُبالغ في الوفاء ، فقد ينتهي بك الأمر وفيًّا لذكريات أشخاص لا يتذكرون حتى أنك كنت موجودًا ، والمفارقة الأكثر سخرية أن أولئك الذين كانوا يتفرجون اثناء طريق درب الوفاء ، في غاية النذالة والخيانة ؛ وكأن الوفاء عندهم لم يكن إلا حماقةً ، بينما أتقنوا الغدر ، تماماً كما أتقنوا كسب المكاسب .يبدو أن بعض المؤمنين لا يكتفون بالإيمان بالله ، بل يصرّون أيضاً على أن يكونوا الناطقين الرسميين باسمه على الأرض ! يوزّعون صكوك الفضيلة ، ويصنّفون البشر ، ويحاكمون النوايا ، وكأن الخالق فوّضهم بإدارة ضمائر عباده ، والمفارقة أن بعضهم يتحدث عن التواضع من موقع الاستعلاء ، ويدعو إلى الرحمة بلغة الإقصاء ، ويطالب الآخرين بمراجعة أنفسهم ، بينما لا يخطر بباله أن يبدأ بهذه المهمة مع ذاته ، وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل : ماذا لو كان الإنسان الذي لا يؤمن بالله أكثر التزاماً بالقيم الإنسانية من آخر يعلن إيمانه صباحاً ، ثم يمارس الاستبداد مساءً؟ ، وليس الملحدون كتلة فكرية أو أخلاقية متجانسة ، مثلما لا يشكّل الإيمان ، في حد ذاته ، شهادة حسن سلوك ، ولكل موقف اعتقادي خصوصيته ، لذلك لا يصح الخلط بين إنكار وجود الخالق وبين موقف إبليس في التصور الديني ؛ فالأخير لم تكن أزمته إنكاراً للخالق ، بل رفضاً للامتثال ، تغذّيه مشاعر الكبر والحسد واعتقاد الأفضلية ، ولقد استند إبليس إلى اختلاف مادة خلقه وأسبقيته ، متوهماً أن النار تمنحه منزلة أعلى من الطين ، وهنا تتجاوز الحكاية دلالتها الدينية لتكشف عن بنية نفسية واجتماعية لا تزال حاضرة في الإنسان : فالاعتقاد بأن الأقدمية تمنح الاستحقاق ، وأن امتلاك موقع أو خبرة أو تاريخ أطول يبرر التفوق على الآخرين ، وهي ذهنية تتكرر في المؤسسات والمجتمعات ، حين تتحول سنوات الخدمة إلى امتياز ، والتجربة إلى سلطة ، والمعرفة إلى ادعاء باحتكار الحقيقة .
لم تكن مشكلة إبليس في اختلاف المادة التىّ خُلق منها ، بل في تحويل هذا الاختلاف إلى معيار للتفاضل ، وتلك هي اللحظة التىّ تتحول فيها الأنا من شعور بالذات إلى سلطة عليها وعلى الآخرين ؛ إذ لا يعود الإنسان معنياً بفهم الحقيقة ، بقدر ما يصبح مشغولاً بإثبات أنه يمتلكها ، لذلك ليس كل تمرد تعبيراً عن الحرية ؛ فقد يرفض المرء الخضوع للآخرين ، لكنه يظل عبداً لكبريائه ، كما أن التحرر من سلطة خارجية لا يعني بالضرورة التحرر من الديكتاتور القابع في الداخل ، ومن هذه الزاوية ، قد يكون الملحد الذي لا يزال يسائل قناعاته ويفتحها على احتمالات جديدة أقرب إلى مراجعة موقفه من مؤمن ورث اعتقاده وحوّله إلى عادة اجتماعية لا تستدعي التفكير ، وليس المقصود أن الإلحاد طريق إلى الإيمان ، أو أن المؤمن محكوم بالجمود ، بل إن البحث يظل ممكناً ما دامت الذات مستعدة للاعتراف باحتمال الخطأ ، فالإيمان الذي ينفصل عن الوعي والممارسة الأخلاقية حتما سيفقد معناه العملي ، ويتحول إلى هوية يتباهى بها صاحبها بدلاً من أن تكون مسؤولية تحكم سلوكه .
وتصبح المفارقة أكثر خطورة حين تقترن هذه الأنا بالسلطة ؛ فالمنصب لا يخلق الغرور بالضرورة ، لكنه يمنحه مجالاً أوسع للظهور والتأثير ، وعندما يعتقد صاحبه أن موقعه دليل على صواب رؤيته ، يتحول الاختلاف إلى تهديد ، والنقد إلى إساءة ، والآخر إلى تابع مطلوب منه التصفيق لا المشاركة ، عندئذ لا يعود المقدّس باعثاً على محاسبة الذات ، بل يتحول إلى غطاء يمنح الاستعلاء شرعية زائفة ، ولعل رواية «خريف البطريرك» لغابرييل غارسيا ماركيز تقدم صورة أدبية بالغة الدلالة لهذه الحالة ؛ فالبطريرك لا يكتفي بالاستحواذ على السلطة ، بل تتضخم ذاته حتى تتماهى مع الدولة ، ويغدو العالم في وعيه امتداداً لإرادته ، إنه نموذج الحاكم الذي لم يعد يرى في الآخرين ذواتاً مستقلة ، بل ظلالاً تدور في فلكه ، وهكذا تبلغ الأنا ذروة ديكتاتوريتها عندما تتوهم أن إرادتها هي الحقيقة ، وأن الاعتراض عليها خروج على النظام نفسه .
في المحصلة ، قد يكون الملحد أكثر عدلاً وتواضعاً واحتراماً للإنسان من مؤمن جعل من اعتقاده وسيلة للهيمنة ، لا دافعاً للمسؤولية ، وهذه ليست مفاضلة مطلقة بين الإيمان والإلحاد ، بل مساءلة لمعيار الأخلاق حين يُستبدل بالسجل الاعتقادي ، فالقيمة لا يصنعها ما يعلنه الإنسان عن نفسه ، وإنما ما يتركه سلوكه في حياة الآخرين .
وربما تكمن المأساة الكبرى في أن يظل الإنسان ساجداً أمام الله ، فيما تنحني حياته كلها أمام صنم الأنا ، عندها لا يعود الإيمان حاجزاً أمام الاستبداد ، بل قد يصبح أحد أقنعته ؛ ويغدو الديكتاتور ، مثل بطريرك ماركيز ، سجيناً لذاته ، حتى وهو يتوهم أنه سيّد العالم … والسلام
Weniger anzeigen
