٢٥-١٠-٢٠٢٦
إن نجاح الثورة لا يُقاس بمجرد سقوط الاستبداد وتغيير السلطة، بل بمدى قدرتها على إعادة الحقوق إلى أصحابها، وإنصاف المظلومين، وصون كرامة المواطنين، وبناء دولة القانون والمؤسسات التي لا يتحول فيها الحكم إلى غنيمة، ولا تصبح تضحيات الشعب وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية.
أولًا: المال المنهوب حقٌّ للمجتمع وليس غنيمة للسلطة..
إن مآل الأموال المنهوبة، بمختلف أشكالها المنقولة وغير المنقولة، خلال عهد الأسد، بعد نجاح الثورة، يجب أن يكون لصالح أهالي الشهداء، والجرحى، وذوي الإعاقة، وضحايا الاغتصاب والانتهاكات الجنسية، والمتضررين من سياسات النظام وممارساته، والنازحين والمهجّرين، والفقراء والمساكين، إضافة إلى خزينة الدولة السورية.
إن استرداد هذه الأموال أمانة وطنية ومسؤولية أخلاقية وقانونية، تستوجب حصرها وتوثيقها واستعادتها، ثم توجيهها وفق آليات شفافة وعادلة، وبإشراف مؤسسات مستقلة تخضع للمساءلة والرقابة.
لا يجوز أن تتحول الأموال المنهوبة إلى مكافآت أو امتيازات لأشخاص في الدولة لمجرد أنهم أصبحوا جزءًا من سلطتها. فالثورة لم تقم لكي يستبدل المنتفعون الجدد بالمنتفعين القدامى، بل لكي يستعيد الشعب حقوقه وثرواته وكرامته.
ثانيًا: لا يُطلب من المظلوم أن يرفع الظلم عن نفسه…
يجب إلغاء القرارات الجائرة التي اتخذتها سلطات الحكم البائد بحق السوريين، سواء أكانوا خارج الوطن أم في داخله، متى ثبت أنها صدرت لأسباب سياسية تعسفية، وذلك دون إبطاء أو مماطلة.
ويجب إلغاء جميع الآثار القانونية والمالية المترتبة على تلك القرارات، وإعادة الحقوق إلى أصحابها وفق إجراءات قانونية واضحة تضمن الإنصاف وتمنع استمرار الظلم تحت أي مسمى.
لا يجوز أن يُلزم المواطن السوري بمراجعة دوائر الدولة ليرفع عن نفسه ظلمًا فرضته عليه تلك الدولة.
فالأصل أن تبادر مؤسسات الدولة إلى تصحيح ما ارتكبته سلطاتها السابقة من تجاوزات، لا أن تُحمّل ضحاياها أعباء إضافية، أو تجعل استعادة الحقوق رهينةً لمعاملات معقدة وانتظار طويل.
إن العدالة الانتقالية الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالظلم، وإزالة آثاره، ورد الحقوق إلى أصحابها، مع ضمان حق المتضررين في الاعتراض والتظلم والمطالبة بالتعويض حيث يقتضي الأمر.
ثالثًا: المال العام أمانة ولا يوجد صلاحية مطلقة للتصرف به..
إن حق التصرف بالمال العام، سواء أكان في وزارة المالية أم في سائر الوزارات والمؤسسات والصناديق العامة او السيادية، ليس حقًا مطلقًا ومفتوحًا لأي مسؤول، مهما علا موقعه أو اتسعت صلاحياته.
فالمال العام أمانة لجميع أبناء الوطن ومؤسساته، وليس ملكًا للحاكم أو الحكومة أو أي فئة سياسية أو اجتماعية. وإدارته يجب أن تخضع لضوابط واضحة، وموازنات معلنة، ورقابة مستقلة، ومحاسبة فعلية، وهذه الضوابط يقرّها ممثلو الشعب المنتخبون، ومن خلال المؤسسات الدستورية المختصة، بمشاركة الخبراء المؤتمنين، وبعيدًا عن تضارب المصالح وهيمنة السلطة السياسية او التنفيذية.
ولا يجوز أن نعيد إنتاج نموذج يتصرف فيه أولياء الأمر بأموال الدولة وفق الأهواء والتقديرات الشخصية، بعيدًا عن القيود القانونية والرقابة المؤسسية.
إن إدارة المال العام ليست امتيازًا للمسؤول، بل تكليف تفرضه المسؤولية الوطنية، وتحدّه أحكام القانون، ويخضع للمساءلة أمام الشعب.
فلا تنمية بلا شفافية، ولا عدالة بلا رقابة، ولا دولة مؤسسات ما دام المال العام عرضةً للتصرف الفردي والمزاجي.
رابعًا: أهل الثورة لا ينتقلون من الثغور إلى القصور…
أهل الثورة لا ينتقلون من الثغور إلى القصور، ولا من الخنادق إلى الفنادق.
أهل الثورة أول من يتحمل الأعباء، وآخر من يجني الامتيازات. هم أول من يشعر بآلام الناس، وأشدهم التصاقًا بمعاناة الأكثرية، وحملًا لهموم الفقراء والمحرومين، ومتابعةً لقضايا المواطنين ليلًا ونهارًا.
إن من ضحّى من أجل الحرية والكرامة والعدالة لا يجوز أن يتخذ من تضحياته طريقًا إلى الثراء الشخصي أو الاستئثار بالمناصب والنفوذ. فالمسؤولية في الحكم الجديد ليست مكافأة على الماضي، ولا امتيازًا مكتسبًا، بل أمانة تقتضي النزاهة والتواضع والخدمة العامة.
أهل الثورة أول من يحمل أعباء الوطن، وآخر من ينتفع بفرص الحكم وامتيازاته. وعليهم أن يكونوا أقرب الناس إلى معاناة المواطنين، وأكثرهم التزامًا بالقانون، وأشدهم حرصًا على حماية المال العام ومنع الفساد والمحسوبية.
إن الثورة التي قامت من أجل الشعب لا يجوز أن تنتهي إلى سلطة تنفصل عنه، أو طبقة جديدة تستأثر بالثروة والقرار، أو مؤسسات تُدار وفق الولاء الشخصي بدل الكفاءة والاستحقاق.
