مروان صباح :
يبدو أنّ الإنسان المعاصر ، بعدما نجح في اختصار المسافات وتسريع الاتصالات ، قرّر أن يختصر الحبّ أيضًا ؛ فلم يعد بحاجة إلى قصيدة كي يعشق ، أو سنوات كي يتعرّف إلى الآخر ، بل تكفيه شاشة تعرض عليه عشرات الوجوه ، ليختار أحدها ، ثم يستبدله إذا لم يحقّق له العائد العاطفي المتوقع ! يا لها من حضارة عظيمة ؛ أصبحنا نملك مفاتيح العالم في هواتفنا ، لكننا لا نعرف أيّ مفتاح يفتح أبواب قلوبنا ، ولا لماذا نغادرها أحيانًا قبل أن نكتشف ما الذي جئنا نبحث عنه ، لكنّ السؤال يتجاوز المفارقة الساخرة : هل تغيّرت وسائل التعبير عن الحبّ فحسب ، أم تغيّر الحبّ نفسه ، وانتقل من تجربة تمنح الحياة معناها إلى علاقة قد تُدار بمنطق الاستهلاك والمقارنة والاستبدال؟ .
في المخيال العربي ، لم يكن عنترة بن شداد مجرّد فارس يخوض معاركه بالسيف ؛ فقد ارتبط حبّه لعبلة بمعركة أوسع ، عنوانها الكرامة والاعتراف والحرية ، وفي كتابه «عنترة بن شداد: الحب ، الشعر ، الفروسية ، الحرية»، يتيح الدكتور علي شلق مدخلًا لقراءة هذا التداخل بين العاطفة والوجود الاجتماعي ؛ فالحبّ ، في التجربة العنترية ، يتجاوز الرغبة ليصبح جزءًا من صراع الإنسان لإثبات مكانته في عالم تحكمه قيود النسب واللون والمجتمع ، ومع نزار قباني ، انتقل العشق إلى مساحة أخرى ، هي البوح والأنوثة والجسد والتمرّد على القيود ، وبين عنترة ونزار ، تغيّرت لغة الحبّ من الفروسية إلى الحميمية ، لكنّ العاطفة ظلّت ، في جوهرها الأدبي ، وسيلةً لاكتشاف الذات والتعبير عنها ، لا مجرّد متعة عابرة ، لا يعني ذلك أنّ الماضي كان عصر الوفاء المطلق ، أو أنّ الإنسان القديم أحبّ بالضرورة أكثر من إنسان اليوم ؛ فقد عرف التاريخ الخيانة والمصلحة والفراق أيضًا ، غير أنّ الحبّ احتلّ في نماذجه الأدبية مكانةً تتجاوز العلاقة الثنائية ، ليتصل بالكرامة والحرية والمعنى ، وهنا يبدأ السؤال : ماذا يحدث حين تنتقل صناعة صورة الحبّ من القصيدة إلى الشاشة ، ومن التأمّل في المشاعر إلى استهلاكها؟
أسهمت الأفلام والمسلسلات والأغاني ، قديمًا وحديثًا ، في تشكيل خيال الناس العاطفي ، لكنّ اتساع الثقافة المرئية ، ثم انتشار المنصّات الرقمية ، جعلا الصور الرومانسية أسرع تداولًا وأكثر حضورًا في الحياة اليومية ، فالحبّ الذي كان يُتخيّل عبر القصيدة أصبح يُعرض في مشاهد مكثّفة ، تتداخل فيها الجاذبية الجسدية والثراء والغيرة والمصالحات الدرامية ، فالمشكلة ليست في المسلسلات التركية أو الأفلام الأمريكية ، ولا في الفنّ ذاته ، بل في تحوّل بعض الصور إلى معايير نقيس بها علاقاتنا الواقعية ، وحين تتقدّم الصورة على التجربة ، يصبح السؤال : هل نحن سعداء فعلًا ، أم أنّنا نريد فقط أن نبدو كذلك؟ وهكذا قد تتحوّل العلاقة من مساحة يعيش فيها شخصان تجربتهما الخاصة إلى عرضٍ يسعى كلّ منهما من خلاله إلى إثبات جاذبيته ونجاحه أمام الآخرين ، ومع وسائل التواصل ، لم تعد الخيارات العاطفية محدودة بدائرة اجتماعية قريبة ؛ بل أصبح الوصول إلى أشخاص جدد أسهل ، والمقارنة بينهم أسرع. وهنا تتسلّل فكرة خطيرة : أنّ البديل الأفضل موجود دائمًا ، وأنّ العلاقة الحالية لا تستحقّ الصبر متى خفّ بريقها الأول .
حين يدخل منطق السوق إلى العلاقات ، تصبح بعض التجارب أقرب إلى معادلة حسابية : ماذا سأحصل عليه ، وماذا سأقدّم في المقابل؟ ويتجلّى ذلك ، في حالات باتت شائعة ، في علاقات «الراعي المادي» (Sugar Daddy)، حيث يشكّل الدعم المالي عنصرًا أساسيًا في العلاقة ، وليس من الإنصاف اختزال جميع هذه العلاقات في حكم واحد ، لكنّ الإشكال يبدأ حين تتحوّل المنفعة إلى معيار لقيمة الإنسان ، ويُعامَل الآخر بوصفه وسيلةً لا غايةً إنسانية ، وهكذا نصل إلى استعارة «الماستر كي»، أو المفتاح الرئيسي الذي يفتح أبوابًا كثيرة ، فإذا كان الحبّ في المخيال الرومانسي يرتبط بخصوصية شخص يترك أثرًا لا يشبه الآخرين ، فإنّ منطق الاستهلاك يدفع إلى التعامل مع الشركاء بوصفهم خيارات قابلة للاستبدال ، لكنّ كثرة الخيارات لا تعني بالضرورة اتساع الحرية ؛ فقد تتحوّل إلى عجز عن الاختيار ، أو خوف من الالتزام ، أو مطاردة دائمة لصورة مثالية لا وجود لها إلا في الخيال ، وليس كلّ بقاء وفاءً ، كما أنّ ليس كلّ رحيل خيانة ؛ فالعلاقة المؤذية تستحقّ المغادرة ، لكنّ العلاقة الطبيعية لا ينبغي أن تُهجر لمجرّد أنّها فقدت إثارة البدايات .
ربما لا تكمن أزمة الحبّ المعاصر في اختفاء المشاعر ، بل في تراجع استعداد بعض الناس لتحمّل مسؤوليتها ، نريد الحميمية من دون انكشاف ، والوفاء من دون التزام ، والحرية من دون تبعات ؛ نريد أن نكون مهمّين في حياة الآخرين ، من دون أن نمنحهم دائمًا المكانة نفسها في حياتنا ، وإذا كان عنترة قد جعل الحبّ يتقاطع مع الكرامة والحرية ، وكان نزار قباني قد منحه لغةً للبوح والتمرّد ، فإنّ تحدّي الإنسان اليوم هو أن يستعيد المعنى الإنساني للعلاقة وسط ضجيج الصور وإغراءات الاستبدال ، لا بأن يعود إلى ماضٍ مثالي لم يوجد قط ، ولا بأن يقدّس العشق الذي يدمّر صاحبه ، بل بأن يميّز بين الحبّ والتعلّق ، وبين الحرية والاستهلاك ، وبين اختيار الآخر وامتلاكه.
فكثرة المفاتيح لا تعني امتلاك بيت ، وكثرة العلاقات لا تعني العثور على الحبّ ؛ وربما كانت المفارقة الأكثر سخرية أنّ الإنسان ، وهو يبحث عن مفتاح يفتح به قلوب الآخرين ، نسي أن يسأل نفسه إن كان يعرف قلبه أصلًا … والسلام
Weniger anzeigen
