مأزق الشفافية وعقيدة الإنكار: قراءة في سلوك السلطة الانتقالية في دمشق سوسيولوجيا التطنيش الحكومي

كاريكاتير للرسام عودة الفهداوي عن ازدواجية الجولاني #العهد_نيوز https://alahadnewsag.bio.link/    تُسجّل المرحلة الانتقالية السورية الراهنة، عقب الانتقال السياسي وسقوط نظام الأسد، ظاهرة لافتة ومثيرة للقلق: حالة الجمود والتجاهل المؤسسي التي تجيب بها السلطة التنفيذية على التساؤلات المتزايدة والنقد اليومي الحاد الموجه لأدائها.
ففي الوقت الذي يتطلع فيه المجتمع إلى بناء عقد اجتماعي قائم على التعددية وحكم القانون، تتواتر في وسائل الإعلام السورية والإقليمية والدولية تقارير ترصد أزمات هيكلية حادة: بدءاً من ملفات الوقود المغشوش وتغيب المحروقات عن الأسواق، مروراً بالشبهات المالية الكبرى وااختلاسات قطاع النفط، وصولاً إلى فوضى عقود الاستثمار والتعدي على المعالم الأثرية والتاريخية.
لا يمكن تفسير هذا “التجاهل الحكومي” بوصفه مجرد عجز إداري أو استهتار طارئ؛ بل هو تعبير عن بنية حُكم مركبة يمكن تفكيكها عبر أربعة محاور أساسية:
أولاً: الذهنية الفصائلية ومنطق “تقاسم الغنائم”
«تستند السلطة الانتقالية الحالية في عصبها الصلب إلى تشكيلات شبكية قائمة على التضامن التنظيمي والفصائلي؛ إذ لم تتشكل الكتلة الممسكة بمفاصل القرار عبر مؤسسات مدنية، بل من خلال توازنات مسلحة سابقة. وفي السلوك الاجتماعي لهذه الكوادر، لا تُدرك المؤسسات العامة بوصفها مرافق مملوكة للمواطنين تخضع للمحاسبة، بل تُترجم كاستحقاقات نفوذ جرى إحرازها في صراع القوى. بناءً على ذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد تجاوزات مالية أو أخطاء إدارية متفرقة، بل ببنية استحقاق تنظيمي متكاملة تتداخل فيها الولاءات الأيديولوجية والفصائلية مع إدارة الدولة ومواردها؛ فحين يُنظر إلى المناصب والامتيازات بوصفها مكتسبات للجماعة التي خاضت الصراع، تصبح المحاسبة تهديداً لتوازنات داخلية تتجاوز الشخص المتهم إلى شبكة المصالح التي ينتمي إليها. من هنا، فإن استجابة القيادة لمطالبات الشارع بإقالة مسؤول تنفيذي تُقرأ داخل البنية المغلقة كـ “انكسار للجماعة”، مما يدفع رأس السلطة للتضحية بالشفافية تفادياً لتفكك جبهته؛ فتكتسب قضايا الفساد غير الموضحة ومظاهر الأبهة المحيطة بالمسؤولين دلالة تؤكد أن السلطة تُدار بمنطق الاستحقاق والولاء وتقاسم النفوذ، لا بمنطق المسؤولية العامة والمواطنة المتساوية.»
ثانياً: الصراع على الهيبة واستراتيجية “التجاهل التكتيكي”
ترى السلطة الانتقالية أن شرعيتها التأسيسية ناتجة عن رمزية الحسم وإسقاط الاستبداد، وهي شرعية تمنح القائمين عليها فوقية ترفعهم عن المساءلة اليومية. وهنا تتجلى استراتيجية الإنكار: فالرد على الانتقادات يُعد في عرف السلطة تنازلاً عن هيبتها، واعترافاً ببروز سلطة إعلامية يحق لها المساءلة. لذا، يصبح التكتم والتجاهل آلية دفاعية لإعادة فرض الفجوة بين الحاكم ورعاياه.
ثالثاً: الاتكال على إنهاك الشارع والضبط الأمني
تراهن السلطة على حالة “التعب المجتمعي”؛ فبعد سنوات من الحروب والنزوح والتفكك الاقتصادي، يعيش المجتمع إجهاداً شديداً يجعل قدرته على تنظيم الضغط المدني ضعيفة. تستغل السلطة هذا الإنهاك عبر ترك الملفات تتلاشى بالتقادم، معتمدة على أن متطلبات القوت اليومي ستشغل المواطن عن المحاسبة الكبرى. ويقترن هذا بتكتيك أمني قديم: فرض الهيبة وتخويف الشارع من الفوضى، بدلاً من بناء الثقة عبر المشاركة والشفافية.
رابعاً: البنية الدولية والاعتراف الوظيفي
لا ينفصل سلوك السلطة بدمشق عن واقع العلاقات الدولية؛ إذ تعيش حالة من “الاعتراف الوظيفي المشروط”. ففي المقاربة الجيوسياسية الحالية، لا يُطلب من نظام حكم انتقالي في منطقة صراعات أن يكون شفافاً، بل يُطلب منه تأدية وظائف أمنية محددة (ضبط الحدود، منع اللجوء، مكافحة الراديكالية). وطالما أن السلطة تؤدي هذه الوظائف، فإن الفاعلين الخارجيين يتغاضون عن الفساد الداخلي والجمود الإداري، مما يوفر للسلطة حماية سياسية تُغنيها عن استمداد شرعيتها من الشفافية المحلية.
الخاتمة: تجريف الثقة والإنذار المبكر
إن قراءة سلوك السلطة الانتقالية في دمشق تكشف أن التجاهل والتكتم ليس سلوكاً عفوياً، بل هو نتاج تداخل بين الذهنية الفصائلية، والتطلع للهيمنة، واستغلال إنهاك الشارع، والاستناد إلى السند الدولي الوظيفي.

غير أن خطورة هذا النهج تكمن في أنه يقوض الفكرة التأسيسية لبناء الدولة الحديثة؛ حيث يُعيد إنتاج أشكال السلطة الشمولية التي تعامل المواطن كـ “رعية” يُفرض عليها الصمت، لا كشريك صاحب حق في الثروة والمواطنة. إن استمرار السلطة في تقديم منطق السيطرة على منطق الحوكمة والقانون لن يحقق استقراراً مستداماً؛ فالأنظمة التي تفشل في بناء عقد اجتماعي قائم على الشفافية تتآكل قواعدها الاجتماعية تدريجياً، لتجد نفسها مستقبلاً أمام هزات مجتمعية جديدة لا ينفع معها صمت ولا إنكار.

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *