مروان صباح :
غير أن تفسير هذه الظاهرة بسطحية الجمهور وحدها لا يكفي ؛ فالمشكلة تكمن أيضاً في اقتصاد الانتباه ، حيث تتنافس المنصات على إبقاء المستخدم متصلاً ، وتُكافأ المضامين القادرة على استثارة الانفعال السريع ، وهكذا ، يجد الفكر نفسه في مواجهة سوق لا تسأل بالضرورة عن عمق الفكرة ، بل عن قدرتها على جذب الأنظار ، وقد أشار الفيلسوف الكندي آلان دونو، في كتابه «نظام التفاهة»، إلى تحوّل الرداءة من مجرد ظاهرة هامشية إلى نمط يجد لنفسه مكاناً داخل المؤسسات وآليات التقييم الاجتماعي ، وتكمن خطورة هذا التحول في أن التفاهة لا تكتفي بالانتشار ، بل تسعى إلى فرض معاييرها على ما يستحق الاعتراف والنجاح ، وعندما تصبح الشهرة صناعة ، يتحول الإنسان إلى سلعة وصورته إلى رأس مال ، تُعرض تفاصيل الحياة اليومية بوصفها نموذجاً للنجاح والرفاهية ، ويُدفع المتابع إلى مقارنة واقعه بصورة منتقاة بعناية ، أما صانع المحتوى ، فقد يصبح أسيراً للشخصية التىّ صنعها لنفسه ؛ مطالباً بتجديد العرض باستمرار كي لا يخسر جمهوره ، وهنا تبرز صورة المهرّج بوصفها استعارة لعصرٍ تعمقت فيه الحياة نفسها كخشبة مسرح ، والإنسان مؤدياً لدور قد ينسى ، مع مرور الوقت ، أنه ليس حقيقته كاملة .
ومن هذا المنظور ، يمكن استحضار رواية «المهرّجون» لهنري دي مونترلان (Henry de Montherlant) في سياق التأمل الأدبي في الأقنعة الاجتماعية والتناقض بين الصورة والحقيقة ، فالمفارقة ليست في وجود المهرّج ، بل في تحوّل الفرجة إلى معيار ، وفي استعداد الجمهور لمنح التصفيق لمن ينجح في إضحاكه أو استثارة فضوله ، بصرف النظر عن القيمة التىّ يتركها العرض وراءه ، لكن المسرح لا يكتمل من دون مثقفين يقبلون أداء أدوار ثانوية فيه ، فعندما تصبح الشهرة معياراً للتقدير ، قد يجد المثقف نفسه مضطراً إلى مجاملة أصحاب النفوذ الرقمي ، أو تبسيط أفكاره حتى تفقد عمقها ، أو استبدال النقد بعلاقات متبادلة تمنح الشهرة شرعية ثقافية ، عندها لا تكون الهزيمة في قلة القراء ، بل في أن يتخلى الفكر عن استقلاله كي يضمن التصفيق ، ومع ذلك ، لا يكمن الحل في الانسحاب من المنصات ، بل في استخدامها لنشر المعرفة دون إخضاعها لمقاييس السوق وحدها.
إن أخطر ما في نظام التفاهة ليس وجود التافهين ، فذلك أمر لم يخلُ منه مجتمع ، بل أن تتحول التفاهة إلى نموذج للنجاح ، وأن يصبح الانتشار بديلاً عن الإنجاز ، والربح دليلاً على الاستحقاق ، فالأرقام تقيس حجم الجمهور ، لكنها لا تمنح المحتوى قيمة أخلاقية أو فكرية ؛ والكثرة قادرة على فرض موضوعات النقاش ، لكنها لا تستطيع ، بمجرد كثرتها ، أن تجعل الرديء جيداً أو الوهم حقيقة ، ولعل المفارقة الأخيرة أن الإنسان الذي يحرص على تخليد اسمه في نعي جميل بعد موته ، قد يقضي حياته في مطاردة شهرة عابرة لا تترك وراءها ما يستحق التذكر ، وبين المراثي التىّ تجمّل السيرة ، والمنصات التىّ تلمّع الصورة ، يستمر العرض ، ويزداد التصفيق ، فيما يتراجع السؤال عن حقيقة ما نحتفي به .
فهل المشكلة أن المهرّجين استولوا على المسرح ، أم أننا ، نحن الجمهور ، منحناهم حق تحديد ما يستحق التصفيق؟ ربما لا يكون الانتصار الحقيقي للتفاهة في قدرتها على إضحاكنا ، بل في نجاحها في إقناعنا بأن ما يثير انتباهنا يستحق احترامنا ، وأن ما يشاهده الملايين لا بد أن يكون عظيماً ، وعندما يحدث ذلك ، لا يعود المهرّج وحده مسؤولاً عن العرض ؛ فالجمهور الذي يصفّق بلا مساءلة يصبح شريكاً في صناعة المعايير التىّ تحكمه … والسلام
Weniger anzeigen
