نوبل بين سلطة الجائزة وخلود الفكرة: من أدونيس ومحمود درويش إلى مانديلا وغيفارا …

 16-10-2026
معرض كاريكاتير عن نجيب محفوظ وحائزى نوبل فى الأدب.. اعرف المكان والموعد - اليوم السابعثمة مفارقة ساخرة في عالم الجوائز : أن تتحول الشهادة التىّ يُفترض أن تعترف بالعظمة إلى معيارٍ للعظمة نفسها ، وكأن التاريخ ينتظر توقيع لجنة تحكيم كي يقرر مَن يستحق الخلود ومَن يُترك للنسيان ، ولعل جائزة نوبل ، بما تحمله من مكانة عالمية ، تجسّد هذه المفارقة أكثر من غيرها ؛ فهي جائزة بشرية ، لا وحيٌ منزّل ، ومع ذلك يُعاملها البعض كما لو كانت محكمة نهائية للإبداع والحقيقة والفضيلة ، رغم أن قراراتها تظل قابلة للنقاش ، ومعاييرها ليست بمنأى عن الاختلاف أو النقد ، تبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيدًا في مجال الأدب ، حيث لا تُقاس القيمة بالأرقام ، ولا يُختزل الإبداع في معيار موضوعي واحد ، ومن هنا ، فإن تكرار طرح اسم الشاعر السوري أدونيس لنيل نوبل للآداب يستحق التوقف عند تجربته الحداثية ، التىّ أسهمت في تجديد القصيدة العربية وإعادة مساءلة علاقتها بالتراث واللغة ، لكن الاعتراف بقيمته الفنية لا يعفي مواقفه السياسية من النقد ، ولا سيما ما أُخذ عليه بشأن الثورة الإيرانية والثورة السورية ، فهل يستطيع الشاعر أن ينجز ثورة في اللغة ، فيما يعجز عن الانحياز إلى تطلعات شعبه في السياسة؟ وهل تكفي الحداثة الجمالية لتعويض التناقض الأخلاقي؟ إن الفصل بين النص وصاحبه ممكن نقديًّا ، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة تمنع مساءلة المواقف ، ومن هنا ، تتجاوز المسألة أدونيس إلى سؤال أوسع عن العلاقة بين الأدب والسياسة ، وبين الجمال والموقف الأخلاقي ، فقد ظل محمود درويش ، أحد أبرز شعراء العربية المعاصرين ، خارج قائمة الفائزين بنوبل ، رغم أن تجربته تجاوزت حدود الشعر الفلسطيني لتصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانية عن المنفى والاقتلاع والحرية ، وفي المقابل ، لم ينل تشي غيفارا الجائزة ، رغم تحوّله إلى أيقونة ثورية عالمية ، تجاوزت صورته حدود أمريكا اللاتينية لتصبح رمزًا للتمرد على الهيمنة والاستغلال .
غير أن درويش وغيفارا يمثلان مسارين مختلفين في صناعة الأثر التاريخي : الأول جعل من اللغة فضاءً للمقاومة وحفظ الذاكرة ، والثاني جعل من الفعل الثوري والكتابة امتدادًا لمشروعه السياسي ، كما وتكشف نصوص غيفارا ، من اليوميات إلى المقالات والرسائل ، عن صلة الأدب بالتجربة الثورية ، لا بوصفه دعايةً أيديولوجية فحسب ، بل باعتباره محاولة لتفسير العالم وتغييره ، ومع ذلك ، لا ينبغي اختزال غيابهما عن نوبل في معارضتهما للرأسمالية أو الصهيونية ؛ وإن كان من المشروع مساءلة المعايير التىّ تمنح بعض التجارب اعترافًا عالميًّا وتحجب الاعتراف عن غيرها ، وفي سياق الجدل حول السياسة والجوائز ، تبرز نافي بيلاي ، القاضية من جنوب أفريقية التىّ مُنحت جائزة نوبل للسلام لعام 2026، بعد مسيرة طويلة في الدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية ، وقد ترأست لجنة تحقيق أممية خلصت إلى أن إسرائيل صراحةً ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة ، وهو استنتاج رفضته إسرائيل بشدة ، وهنا ينبغي التمييز بين نتائج لجنة التحقيق والحكم القضائي النهائي التى تطالب به اسرائيل رغم الوقائع على الأرض ، من دون أن يعني ذلك إسقاط حق المؤسسات الدولية في التحقيق والمساءلة ، فحين تصبح مساءلة السلطة موضع اتهام ، يغدو السؤال الحقيقي : هل يُراد للقانون أن يكون مرجعًا مستقلًّا ، أم شاهدًا صامتًا على إرادة الأقوياء؟
وقد أثارت مواقف بيلاي انتقادات إسرائيلية ، لكن الاعتراض السياسي لا يكفي وحده لتفنيد نتائج التحقيق أو التشكيك في مسيرتها ، كما أن نقد سياسات الحكومة الإسرائيلية لا يعني تلقائيًّا العداء لليهود ؛ فمقاومة معاداة السامية واجب ، مثلما أن مساءلة الحكومات عن أفعالها واجب لا يقل أهمية ، وفي هذا السياق ، تشير إحصاءات متداولة إلى أن ما لا يقل عن 220 شخصًا من اليهود أو ممن لهم أحد الوالدين يهوديًّا نالوا جوائز نوبل والعلوم الاقتصادية بين عامي 1901 و2025 ، أي نحو 22% من الحائزين الأفراد ، وفق تعريف واسع للهوية اليهودية ، وهذه أرقام تقديرية تعتمد على تصنيفات غير موحّدة ، وليست إحصاءً رسميًّا صادرًا عن مؤسسة نوبل ، وتكتسب تجربة بيلاي معناها الأعمق حين تُقرأ في سياق تاريخ جنوب أفريقيا ، حيث واجه القانون نفسه اختبارًا أخلاقيًّا في ظل نظام الفصل العنصري ، تماما كما هو الحال في فلسطين ، فقد نشأت في أسرة متواضعة ، وكان والدها سائق حافلة ، لكنها شقت طريقها في دراسة القانون والعمل الحقوقي ، ودافعت عن ناشطين مناهضين للتمييز العنصري ، وتلتقي تجربتها ، بهذا المعنى ، مع تجربة نيلسون مانديلا ، الذي تقاسم جائزة نوبل للسلام عام 1993 مع فريدريك دي كليرك، تقديرًا لجهودهما في إنهاء نظام الفصل العنصري ووضع أسس جنوب أفريقيا ديمقراطية .
لم تكن عظمة مانديلا في سنوات السجن وحدها ، بل في قدرته على تحويل المعاناة إلى مشروع سياسي للمصالحة ، من دون محو حقيقة الظلم ، أما بيلاي ، فقد جسّدت مسارًا آخر للمقاومة ، قوامه استخدام القانون لمواجهة التمييز والانتهاكات ، وهكذا ، تتقاطع تجربتاهما مع تجربة درويش وغيفارا عند فكرة واحدة : أن الأثر الإنساني لا يصنعه التكريم وحده ، بل القدرة على مواجهة السلطة ، وتوسيع معنى الحرية ، وترك أسئلة عصية على النسيان .
في النهاية ، ليست نوبل معصومة من الخطأ ، كما أن غياب اسم عن قوائمها لا يعني غياب أثره عن التاريخ ، فدرويش لم يحتجّ إلى الجائزة كي يصبح صوتًا للذاكرة الفلسطينية ، وغيفارا لم يحتجّ إليها كي يتحول إلى رمز ثوري ، ومانديلا لم تبدأ قيمته يوم تسلّم الميدالية ، أما بيلاي ، فإن قيمة تجربتها تُقاس بما أنجزته في مجال العدالة ، لا بمجرد منحها الجائزة أو الاعتراض عليها.
ولعل أكثر ما يدعو إلى السخرية أن ننتظر من لجنة تحكيم أن تمنحنا الإذن بالاعتراف بمن يستحق القراءة أو الإعجاب أو الإنصاف ، بينما يظل التاريخ نفسه مفتوحًا على مراجعة أحكامنا ، فالجائزة قد تمنح صاحبها منصة ، لكنها لا تصنع موهبته من العدم ، وقد تحجب التكريم عن تجربة مهمة ، لكنها لا تستطيع محو أثرها ، وبين سلطة الجوائز وسلطة الزمن ، تبقى الحقيقة أبعد من الميداليات : ليس كل من فاز خالدًا ، وليس كل من غاب خاسرًا … والسلام  🙋‍♂️  ✍️ 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *