مروان صباح :
12,10,2026
من يملك الغذاء يملك القرار ؛ ومن يهمله يخسر الدولة ولو امتلك موارد الارض كلها والخطابات ، في بعض العواصم ، إذا نفد الخبز لا يفتشون في مخازن القمح ، بل في دفاتر الصحفيين ، وإذا هاجر الشباب لا يسألون : لماذا ؟ بل يقولون : مؤامرة ، وهكذا تُدار أوطان ببيانات ، وتُطعم شعوب بوعود ، ويُعتقل من يسأل عن رغيف ، بينما يُكرَّم من يبيع الأرض ويستورد الطعام ، تلك ليست إدارة دولة ، بل مسرحية فاشلة يعرف نهايتها الجميع إلا من يقف على الخشبة ، بالتأكيد لم تكن صقلية منشأ المافيا الإيطالية ، لكنها في القرون الأخيرة عُرفت بها ، ثم تجاوزت حدودها نحو الولايات المتحدة مع موجات الهجرة الكبرى في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات العشرين ، لكن انتشارها وتصاعد سمعتها في أمريكا لم يكن مجرد جريمة عابرة ؛ كان تحدياً مباشراً للسلطات : قتل رأس هرم الشرطة ، واغتيال أعضاء في مجلس النواب ، والتمدد في عالم السياسة والاقتصاد ، والمفارقة العصية على التفكيك أن سبب صعودها الرئيسي كان قرار الحكومة بمنع بيع الكحول في أغلب الولايات ، وهو قرار لم ترحب به الأغلبية الساحقة ، فحين أغلق القانون باباً مشروعاً ، فتحت المافيا أبواباً غير مشروعة ، وهيمنت على سوق واسعة من الأمريكيين ، ثم جاءت المخدرات لاحقاً لتكمل الطريق .
والأكثر دلالة أن المافيا الإيطالية لم تبدأ من احتكار السلاح أو الخمور أو المخدرات ، بل من تجارة زيت الزيتون ، وهنا يظهر أن شجرة الزيتون لم تكن مجرد زراعة ، بل كانت تاريخاً واقتصاداً ونفوذاً ، ثم انتهى ذلك كله في عهد موسوليني إلى مواجهة قاسية : حصار قرى كاملة في صقلية ، وقطع الهواتف والكهرباء والمياه ، واعتقال النساء والأطفال رهائن حتى يرضخ رجال المافيا ويسلّموا أنفسهم ، وقد اعتُقل قرابة 11 ألف شخص ، وفي مقدمتهم زعيم مافيا الذي كان ينافس موسوليني شعبياً ، لكن النتيجة لم تكن القضاء على الظاهرة ، بل دفع من نجا أو أُفرج عنه لاحقاً إلى الهجرة نحو الولايات المتحدة ، وهكذا انقسم الجيل القديم والجديد : فريق يريد إبقاء التجارة بين الزيت والكحول ، وفريق يريد التوسع إلى القمار والمخدرات والسلاح ، والدرس المركزي واضح : فالأنظمة الفاشلة لا تقتل المافيا ، بل تصنع لها ذاكرة وامتداداً ، فالقمع بلا شرعية ، والحديد بلا تنمية ، لا يبنيان دولة ، وكل نظام فاشل اليوم يشبه ذلك المشهد : يبدأ بالشعارات ، ثم يلاحق المعارضين ، ثم يكتشف أن الأزمة ليست في الخصوم ، بل في بنيته التىّ تنتج الفشل ، فإذا أهمل الزراعة ، وترك الغذاء رهينة الاستيراد ، وحوّل الفلاح إلى متهم ، فلن ينقذه لا القمع ولا الخطابات ، وعلى الرغم من أن إيطاليا كانت من أكثر الدول شهرة في زراعة الزيتون والزراعة عموماً ، ثم تفوقت لاحقاً في الصناعات الحديثة ، إلا أن إسبانيا تفوقت عليها عندما حافظت على موقعها الاستراتيجي في الزراعة ، باعتبارها أمنًا قوميًا واقتصاديًا وتجاريًا لا يمكن التخلي عنه تحت أي ظرف .
وهنا تبرز الصين كحكاية مبهرة رغم حجم سكانها الهائل ، فهل يستوعب المرء أن الأراضي الصالحة للزراعة فيها لا تتجاوز 9%، ومع ذلك أصبحت قادرة على إطعام مليار ونصف مليار نسمة ، بل تصدّر إلى الخارج ، وتحديداً إلى منطقة آسيا؟ ، حيث تجاوز إنتاج الذرة فيها 300 مليون طن ، ولم يعد الصينيون بحاجة إلى الزراعة الأمريكية بتاتاً أو غيرها ، أما الاكتفاء الذاتي من الأرز والقمح فقد تجاوز 95% ، وهذا يعود إلى الأموال التىّ خُصصت لربط التكنولوجيا بالزراعة ؛ فالعلوم باتت تسهم في إنتاج 70% من كل هذا ، والأكثر إدهاشاً أن الصين أنجزت هذا في مدة قصيرة ، ففول الصويا كان الورقة الأقوى لدى الولايات المتحدة للضغط على بكين ، لكن الصين أفقدت الدول التىّ كانت تصدّر إليها المنتجات الزراعية ، مثل البرازيل والأرجنتين وأستراليا وكندا ، جزءاً كبيراً من مكانتها ، بل تخطط في السنوات المقبلة لأن تكون لها المقاعد الأهم في مسألة الدواجن ، وأن تحدث ثورة عالمية في أذهان الشعوب ، كما فعلت في السيارات الكهربائية والسلع البديلة ، وهو ما يعني أن العالم سيشهد إعادة رسم الخريطة الغذائية .
