ما الذي نحبه حين نقع في الحب؟

 مروان   صباح :

في عيد الحب ❤️ +18 😊 #كاريكاتير_أمين #رأي_أمين #أمين_تون ...      تأملات في الصمت والإنصات والذاكرة على هامش «المريضة الصامتة» …

  ليس الإنسان كائنًا يقع في حب الآخر فحسب ؛ فالوقوع أوسع من ذلك بكثير ، قد يقع في حب شخص ، أو فكرة ، أو زمن ، أو مكان ، أو حتى رمز يختصر له شيئًا من ذاته وذاكرته ، وعلى امتداد التاريخ ، وقعت أجيال في حب العمامة والسيف ، ثم جاءت أجيال أخرى لتقع في حب الخوذة والبندقية والمسدس ، وربما لا تكمن المسألة في هذه الأشياء بذاتها ، بقدر ما تكمن في حاجة الإنسان إلى ما يمنحه شعورًا بالانتماء والأمان ، فالرموز تتغير ، لكن حاجتنا إليها تبقى ، لهذا تبدو بعض الخلافات حول الماضي والحاضر وكأنها لا تنتهي ؛ لأن الناس لا يدافعون دائمًا عن الأشياء التىّ يرونها ، بل عن المعاني التىّ وضعوها داخلها ، وقد يتحول النقاش حول العمامة أو الطربوش أو الخوذة إلى دفاع عن مرحلة كاملة من الحياة ، وعن صورة للذات يخشى الإنسان أن يفقدها إذا تخلى عن رموزها .
لكن الزمن لا يفاوض أحدًا ، فالبيوت تتقادم ، والوجوه تتغير ، والإنسان نفسه يمضي إلى نهايته ، وحتى الأشياء التىّ شكلت طقوس حياتنا اليومية تتحول مع الوقت إلى ذكريات ، كان الصباح ، في زمن قريب ، يبدأ بفنجان قهوة وصحيفة ، وكان الورق يصل إلى البيت محملًا بأخبار العالم ، وكان القارئ يقلب صفحاته بهدوء ، كأنه لا يقرأ الأخبار فقط ، بل يستقبل يومه من خلالها ، واليوم تغير المشهد ؛ تصل الأخبار إلى الهاتف قبل أن يكتمل الصباح ، وأصبحت الصحيفة بالنسبة إلى أجيال جديدة جزءًا من ذاكرة زمن لم تعشه ، وهكذا لا تختفي الأشياء وحدها ؛ تختفي معها عادات صغيرة كانت تمنح الحياة إيقاعها ، وربما لهذا لفتت انتباهي ، وأنا أقرأ المريضة الصامتة لأليكس ميكايليدس ، فكرة أخرى أكثر عمقًا : ماذا يحدث عندما يصبح الصمت نفسه مكانًا يسكنه الإنسان؟ ، في الرواية ، لا يبدو الصمت مجرد امتناع عن الكلام ، بل بابًا مغلقًا يقف خلفه شيء لا نعرفه ، ومن هنا تبدأ العلاقة بين المريض ومن يحاول فهمه ؛ فالمعالج لا يواجه حكاية مكتملة ، وإنما يحاول الوصول إلى ما لم يُقل .
وهذه الفكرة تتجاوز الرواية والمرض النفسي ، فالإنسان في حياته اليومية يحمل أشياء كثيرة لا يقولها ، هناك ذكريات لا يريد الاقتراب منها ، ومشاعر لا يعرف كيف يسميها ، وخيبات يتعامل معها وكأنها انتهت ، بينما تظل حاضرة في داخله ، لهذا يصبح الإنصات أكثر أهمية مما يبدو ، فالإنسان قد لا يتعلق بمن يقدم له النصيحة ، لكنه قد يتعلق بمن يصغي إليه ، هناك فرق بين أن يسمعك شخص وأن يجعلك تشعر بأنك مسموع ، ولهذا قد تنشأ أحيانًا مشاعر قوية تجاه المعالج النفسي ؛ لأن المريض يجد أمامه شخصًا يمنحه مساحة للكلام دون استعجال أو إدانة ، وفي علم النفس تُعرف إحدى الظواهر المرتبطة بذلك باسم التحويل العاطفي (Transference) ، حيث يمكن للفرد أن ينقل إلى شخص حاضر مشاعر وتوقعات تشكلت في علاقات سابقة ، فيصبح الشخص الذي أمامه ، من دون أن يقصد ، مرتبطًا في ذهنه بصورة الأب أو الأم أو الحبيب أو أي شخصية تركت أثرًا عميقًا في حياته ، لذلك قد لا يكون التعلق بالمعالج متعلقًا بشخصه وحده ، وإنما بما يمثله للمريض من أمان أو إصغاء أو اعتراف .
فالإنسان لا يدخل علاقاته الحالية خاليًا من ماضيه ، قد يحمل معه أبًا متسلطًا ، أو أمًا قاسية ، أو شعورًا قديمًا بالإهمال ، ثم تظهر هذه التجارب بصورة جديدة داخل علاقة عاطفية أو زوجية لاحقة ، ولهذا لا تكون كل دمعة بسبب اللحظة التىّ نراها أمامنا ؛ أحيانًا تكون الدمعـة قديمة ، لكن الحادثة الجديدة منحتها فرصة الظهور ، وربما تكون إحدى وظائف العلاج النفسي هي مساعدة الإنسان على اكتشاف هذا الترابط : لماذا يؤلمه الحاضر بهذه القوة ؟ ولماذا تبدو بعض الخيبات أكبر من أسبابها المباشرة ؟ وما الذي ينتمي فعلًا إلى اليوم ، وما الذي جاء معه من سنوات بعيدة؟
إن فهم الماضي لا يعني العودة إليه ، بل معرفة الطريقة التىّ ما زال يعيش بها في الحاضر ، ومن هنا يمكن النظر أيضًا إلى بعض أشكال الانجذاب الإنساني ، فقد يظن الإنسان أنه ينجذب إلى شخص بعينه ، بينما يكون في الحقيقة منجذبًا إلى الإحساس الذي يختبره بالقرب منه ، وقد يفسر هذا ، في أحد جوانبه ، انجذاب بعض الرجال إلى الراقصة ، فالرقص ليس حركة جسدية فحسب ؛ إنه حضور وإيقاع وثقة وقدرة على جذب الانتباه ، وقد يكون ما يجذب المتلقي أوسع من الجسد ، ليشمل صورة امرأة تعرف كيف تحضر أمام الآخرين وكيف تجعلهم يشعرون بأنهم يرونها وتراهم في الوقت نفسه .
مرة أخرى ، لا نعرف دائمًا ما الذي نحبه بالضبط ، قد نحب شخصًا لأن وجوده يوقظ فينا شيئًا افتقدناه ، وقد نحب زمنًا لأننا نشتاق إلى النسخة التىّ كنا عليها آنذاك ، وقد نتمسك برمز لأن التخلي عنه يبدو وكأنه تخلي عن جزء من ذاكرتنا .
وهكذا تلتقي أشياء تبدو متباعدة : العمامة والسيف ، الجريدة وفنجان القهوة ، المريض وطبيبه ، الراقصة وجمهورها ، وحتى الصمت نفسه ، كلها تقود إلى سؤال واحد : ما الذي يبحث عنه الإنسان في الخارج ، بينما قد يكون أصل الحكاية في داخله؟
ربما لهذا تبدو المريضة الصامتة أكثر من رواية عن امرأة لا تتكلم مع طبيبها النفسي الذي هو من قتل زوجها الخائن مع زوجته ، إنها تفتح سؤالًا إنسانيًا أوسع عن الأشياء التىّ نخفيها ، وعن الذكريات التىّ ندفنها ، وعن حاجتنا إلى شخص يستطيع أن يصغي دون أن يخاف من صمتنا .
فربما ليست المشكلة أننا لا نملك ما نقوله .

ربما المشكلة أن بعض ما في داخلنا يحتاج إلى من يصغي إليه طويلًا ، قبل أن يجد الكلمات ، ” وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلًا صَحِيحًا

وَآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السَّقِيمِ

” — المتنبي … والسلام  

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *