رياض حيدر :
27-09-26
Sami Mohammad
الدولة والدين: هل فصلُهما يعني محاربة الدين
عندما يسمع بعض الناس كلمة «العلمانية»، قد يتخيّلون دولة تحارب الدين، تمنع الناس من الصلاة، أو تريد أن تجعل المجتمع بلا دين.
لكن إذا نظرنا إلى دساتير دول مختلفة، نكتشف أن الفكرة الأساسية أبسط بكثير:
الدولة ليست هي الدين، والدين ليس هو الدولة.
المواطن يستطيع أن يكون مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً أو مؤمناً بدين آخر، أو ألا يكون متديناً. والدولة، من جهتها، يفترض أن تتعامل معه كمواطن له الحقوق نفسها، لا بحسب دينه أو طائفته.
ولهذه الفكرة أسماء مختلفة. في فرنسا تسمى laïcité ـ اللائكية أو العلمانية. في دول أخرى يتحدثون عن حياد الدولة، أو عدم وجود دين للدولة، أو استقلال الدولة والكنائس عن بعضها. وأحياناً تطبق الدولة جزءاً كبيراً من الفكرة من دون أن تستعمل كلمة «علمانية» إطلاقاً.
مجلس أوروبا نفسه يشرح أن الدولة المحايدة دينياً ليست دولة معادية للدين، بل دولة لا تتبنّى ديناً أو فلسفة إلحاد رسمية، وتضمن في الوقت نفسه حرية المؤمن وغير المؤمن. كما أن الدول الأوروبية لا تطبق نموذجاً واحداً؛ فهناك درجات وأشكال مختلفة للعلاقة بين الدولة والمؤسسات الدينية.
من أين جاءت الفكرة؟
في فترات طويلة من التاريخ، كانت السلطة السياسية والسلطة الدينية متداخلتين بشدة. كان الملك أحياناً يستمد شرعيته من الدين، وكانت المؤسسات الدينية تمتلك نفوذاً سياسياً وقانونياً كبيراً.
وفي أوروبا، ساهمت الصراعات الدينية، ثم عصر التنوير والثورات وتطور فكرة حقوق الإنسان والمواطنة، في ظهور سؤال بسيط:
ماذا نفعل إذا كان مواطنو الدولة لا يؤمنون جميعاً بالدين نفسه؟
أحد الأجوبة كان أن تصبح المواطنة هي العلاقة الأساسية بين الإنسان والدولة، وليس انتماؤه الديني.
لكن الدول لم تصل كلها إلى الجواب نفسه. ولهذا فإن «فصل الدين عن الدولة» ليس قانوناً واحداً يُنسخ من بلد إلى آخر.
فرنسا: تستخدم كلمة «العلمانية» صراحة
فرنسا هي المثال الأشهر، لأن دستورها يقول في مادته الأولى:
«La France est une République indivisible, laïque, démocratique et sociale.»
أي أن فرنسا «جمهورية غير قابلة للتجزئة، علمانية، ديمقراطية واجتماعية».
وبحسب المجلس الدستوري الفرنسي، ينتج عن مبدأ العلمانية حياد الدولة، والمساواة بين المواطنين دون تمييز ديني، واحترام جميع المعتقدات، وضمان حرية ممارسة الشعائر.
المهم هنا أن العلمانية الفرنسية، في معناها القانوني، لا تعني أن المواطن يجب أن يكون علمانياً. المسلم يستطيع أن يكون مسلماً، والمسيحي مسيحياً، والملحد ملحداً. المطلوب أساساً هو أن الدولة نفسها لا تتصرف باعتبارها ممثلة لدين معيّن.
وقد جاءت الصيغة الفرنسية الحديثة خصوصاً بعد قانون فصل الكنائس عن الدولة سنة 1905، ثم دخل مبدأ العلمانية صراحة إلى الدستور في القرن العشرين.
ألمانيا: لا تقول «دولة علمانية»
ألمانيا مثال مهم جداً لأن دستورها لا يحتاج إلى استعمال كلمة «علمانية» بالطريقة الفرنسية.
القانون الأساسي الألماني يُدخل ضمن أحكامه المادة الدستورية التي تقول ببساطة:
«Es besteht keine Staatskirche.»
أي:
«لا توجد كنيسة للدولة.»
وفي الوقت نفسه تضمن ألمانيا حرية الدين وتسمح بتعاون واسع بين الدولة والمؤسسات الدينية. بعض الجماعات الدينية تتمتع بوضع قانوني عام ويمكنها، وفق الشروط القانونية، تحصيل ضريبة كنسية من أعضائها.
إذن النموذج الألماني يقول تقريباً:
ليس للدولة كنيسة رسمية، ولكن يمكن للدولة والمؤسسات الدينية أن تتعاونا.
وهذا يختلف عن النموذج الفرنسي رغم أن الهدف المشترك يتضمن حماية حرية المعتقد وعدم ربط حقوق المواطن بانتمائه الديني.
إسبانيا: «لا دين يتمتع بصفة دين الدولة»
الدستور الإسباني يستخدم عبارة شديدة الوضوح:
«Ninguna confesión tendrá carácter estatal.»
أي:
«لا تتمتع أي ديانة بصفة دين الدولة.»
لكن المادة نفسها تقول أيضاً إن السلطات العامة تأخذ المعتقدات الدينية للمجتمع الإسباني بعين الاعتبار، وتتعاون مع الكنيسة الكاثوليكية وبقية الطوائف.
إذن إسبانيا ليست نسخة عن فرنسا.
الفكرة هي: لا دين رسمي للدولة، ولكن التعاون مع المؤسسات الدينية ممكن.
إيطاليا: استقلال متبادل وليس قطيعة
الدستور الإيطالي يقول:
«Lo Stato e la Chiesa cattolica sono… indipendenti e sovrani.»
أي أن الدولة والكنيسة الكاثوليكية مستقلتان وذواتا سيادة، كل واحدة في مجالها.
ويقول أيضاً عن الأديان المختلفة:
«Tutte le confessioni religiose sono egualmente libere davanti alla legge.»
أي:
«جميع الطوائف الدينية حرة على قدم المساواة أمام القانون.»
والأمر المثير للاهتمام أن كلمة «العلمانية» ليست هي الأساس في هذه المواد، لكن المحكمة الدستورية الإيطالية استنتجت من مجموعة مواد الدستور وجود مبدأ أعلى لعلمانية الدولة، وفسرته على أنه ليس تجاهلاً للدين، بل ضمان للحرية الدينية في مجتمع تعددي.
إذن مرة أخرى: يمكن الوصول إلى مبدأ قريب من حياد الدولة من دون كتابة كلمة «علمانية» نفسها في المادة الدستورية.
لوكسمبورغ: جملة مباشرة جداً
دستور لوكسمبورغ الحالي يقدم واحدة من أبسط الصيغ:
«Les églises et les communautés religieuses sont séparées de l’État.»
أي:
«الكنائس والجماعات الدينية منفصلة عن الدولة.»
لكن الدستور يسمح بعد ذلك بأن ينظم القانون العلاقات بين الدولة والجماعات الدينية، وحتى بعقد اتفاقات معها.
أي أن كلمة «منفصلة» لا تعني بالضرورة أن الطرفين لا يتحدثان أبداً أو لا يتعاونان.
سويسرا: لا يوجد نموذج واحد
سويسرا تقدم نموذجاً مختلفاً تماماً.
الدستور الاتحادي يقول:
«La liberté de conscience et de croyance est garantie.»
أي:
«حرية الضمير والمعتقد مكفولة.»
ثم يقول:
«La réglementation des rapports entre l’Église et l’État est du ressort des cantons.»
أي أن تنظيم العلاقة بين الكنيسة والدولة من اختصاص الكانتونات، أي المناطق التي يتكون منها الاتحاد السويسري.
ولهذا لا توجد «علمانية سويسرية» واحدة مطبقة بالطريقة نفسها في كل مكان.
وهذا المثال مهم لأنه يبين أن حماية حرية المواطنين لا تفرض بالضرورة نظاماً مؤسسياً واحداً.
تركيا: كلمة «علمانية» موجودة صراحة
تركيا، وهي دولة ذات غالبية مسلمة، تستخدم الكلمة بصورة واضحة جداً.
المادة الثانية من الدستور تصف الجمهورية بأنها:
«demokratik, lâik ve sosyal bir hukuk Devletidir.»
أي دولة ديمقراطية وعلمانية واجتماعية تقوم على سيادة القانون.
لكن حتى النموذج التركي ليس نسخة عن فرنسا. فالدستور نفسه ينص على وجود رئاسة الشؤون الدينية ـ Diyanet ضمن الإدارة العامة للدولة، ويطلب منها العمل وفق مبدأ العلمانية وبعيداً عن المواقف السياسية.
وهذه نقطة مهمة جداً: حتى الدول التي تستخدم كلمة «علمانية» لا تطبقها بالطريقة نفسها.
العراق: دين رسمي مع ضمان الحريات الدينية
العراق يقدم نموذجاً مختلفاً.
المادة الثانية من الدستور تقول:
«الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدر أساس للتشريع.»
وتنص المادة نفسها على عدم جواز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، كما تمنع في الوقت ذاته القوانين المخالفة لمبادئ الديمقراطية أو الحقوق والحريات الأساسية.
وفي المادة نفسها أيضاً يضمن الدستور الحقوق الدينية للأفراد وحرية العقيدة والممارسة الدينية.
إذن العراق لا يتبنى الفصل بين الدين والدولة بالمعنى الفرنسي أو الألماني. دستوره يحاول الجمع بين مرجعية إسلامية للدولة وضمان الحقوق الدينية للمكونات الأخرى.
تونس: مرجعية إسلامية مع حرية الضمير
دستور تونس لسنة 2022 يقول:
«تونس جزء من الأمة الإسلامية».
ويكلف الدولة بالعمل، في ظل نظام ديمقراطي، على تحقيق ما يسميه «مقاصد الإسلام الحنيف».
لكن الدستور نفسه يقول في الفصل 27:
«تضمن الدولة حرية المعتقد وحرية الضمير.»
ويحمي كذلك حرية القيام بالشعائر الدينية ما لم تخل بالأمن العام.
إذن تونس أيضاً لا تتبنى نموذج الفصل الفرنسي، لكنها تتضمن ضمانات واضحة لحرية المعتقد والضمير.
ماذا نتعلم من كل هذه الأمثلة؟
ربما أهم درس هو أن الخلاف حول كلمة «العلمانية» قد يجعلنا ننسى السؤال الحقيقي.
السؤال الحقيقي ليس:
هل نكتب كلمة علمانية أم لا؟
بل:
ما الحقوق التي نريد حمايتها؟ وما حدود سلطة الدولة والمؤسسات الدينية على بعضها؟
يمكن لدستور ما أن يستعمل كلمة «علمانية» كما في فرنسا وتركيا.
ويمكنه أن يقول «لا توجد كنيسة للدولة» كما في ألمانيا.
ويمكنه أن يقول «لا تتمتع أي ديانة بصفة دين الدولة» كما في إسبانيا.
ويمكنه أن يقول إن الدولة والمؤسسات الدينية مستقلة كل منها في مجالها، كما في إيطاليا.
ويمكنه أن يكتب بكل بساطة أن المؤسسات الدينية منفصلة عن الدولة، كما في لوكسمبورغ.
أي أن المضمون أهم من المصطلح.
وماذا عن سوريا؟
سوريا تعيش حالياً مرحلة دستورية انتقالية. الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025 ينص على:
«دين رئيس الجمهورية الإسلام، والفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع.»
وفي الوقت نفسه يقول:
«حرية الاعتقاد مصونة».
والإعلان الحالي هو إطار انتقالي إلى حين الوصول إلى دستور دائم في نهاية المرحلة الانتقالية، وليس دستوراً نهائياً دائماً.
لذلك فإن مسألة العلاقة بين الدين والدولة يمكن أن تكون جزءاً من النقاش الدستوري السوري مستقبلاً.
في مجتمع متعدد الأديان والطوائف، إحدى الحجج المؤيدة لحياد الدولة دينياً هي أن المواطن لا يحتاج إلى أن يسأل: هل ديني هو دين الأغلبية؟ وهل طائفتي ممثلة في السلطة؟ لأن حقوقه السياسية والمدنية تأتي من مواطنته.
هناك أيضاً حجة أخرى مهمة بالنسبة للمؤمنين أنفسهم: الفصل المؤسسي يمكن أن يحمي الدين من السلطة السياسية بقدر ما يحمي الدولة من سيطرة مؤسسة دينية. فعندما يستخدم الحاكم الدين لتبرير قراراته، قد يصبح الاعتراض على الحاكم وكأنه اعتراض على الدين نفسه. والعكس أيضاً صحيح عندما تستطيع السلطة السياسية التحكم بالمؤسسات الدينية.
لكن توجد في المقابل رؤى سياسية ودينية مختلفة ترى أن الدين ينبغي أن يبقى مصدراً للقيم أو حتى للتشريع. ولهذا فإن السؤال الدستوري الحقيقي ليس اختيار شعار، بل تحديد الحدود والضمانات بدقة.
هل يجب أن نسمي ذلك «العلمانية»؟
ليس بالضرورة.
في الخطاب العربي والسوري أصبحت كلمة «العلمانية» لدى جزء من الجمهور مرتبطة بتفسيرات وتجارب سياسية مختلفة، وأحياناً تُفهم خطأً على أنها تعني الإلحاد أو محاربة الدين. لكن التجارب الدستورية التي رأيناها تبين أن الدول تستطيع التعبير عن الفكرة بلغة أخرى تماماً.
يمكن مثلاً الحديث عن «حياد الدولة تجاه الأديان والمعتقدات»، أو «استقلال الدولة والمؤسسات الدينية»، أو «المواطنة المتساوية وحرية الضمير»، أو «عدم التمييز على أساس الدين أو المذهب».
وهذه العبارات ليست متطابقة تماماً، لكنها تسمح بمناقشة المضمون بدل أن تتحول المناقشة إلى معركة حول كلمة واحدة.
ويمكن تخيل صياغة دستورية بسيطة من هذا النوع:
«المواطنون متساوون أمام القانون بصرف النظر عن الدين أو المذهب أو المعتقد. وتضمن الدولة حرية الاعتقاد والضمير وممارسة الشعائر، وتلتزم مؤسسات الدولة بالحياد تجاه الأديان والمذاهب، مع ضمان استقلال المؤسسات الدينية وفق القانون.»
هذه الصيغة لا تقول للمواطن ماذا يؤمن.
لا تطلب من المسلم أن يصبح أقل إسلاماً، ولا من المسيحي أن يصبح أقل مسيحية، ولا من غير المؤمن أن يعتنق ديناً.
إنها تتحدث فقط عن طريقة عمل الدولة.
وهنا ربما توجد الفكرة الأبسط التي يستطيع شاب في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة أن يفهمها:
الدولة ملك لجميع مواطنيها، أما الإيمان فهو حق لكل إنسان.
والفصل أو الحياد بين المجالين لا يعني بالضرورة إخراج الدين من المجتمع؛ بل يعني أن الاختلاف في الدين لا ينبغي وحده أن يحدد قيمة المواطن أو حقوقه أمام الدولة.
