لم تكن زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى نيويورك مجرد كلمة أمام الجمعية العامة أو لقاءات دبلوماسية. الأهم أنها كشفت انتقال سورية من مرحلة الخروج من العزلة إلى تقديم نفسها دولة تعيد بناء مؤسساتها وتبحث عن موقع جديد في النظام الإقليمي والدولي.
في خطابه أمام الجمعية العامة، قدم الشرع صورة سورية التي “تنهض” بعد أن كانت، في العام السابق، سورية التي “عادت”. تحدث عن توقف الحرب، وتوحيد البلاد، وحصر السلاح، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والمدنية، وعودة اللاجئين والنازحين، والعدالة الانتقالية، والتعافي الاقتصادي، ورفع العقوبات. كما أكد أن الجولان أرض سورية، وطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية والعودة إلى ترتيبات فض الاشتباك لعام 1974.
لكن قيمة الزيارة لا تتوقف عند الجمعية العامة. ففي المجلس الأطلسي، قال الشرع إن الهدف أن تصبح السلطة “مؤسسة لا فرداً”، وإن الرئيس ينفذ القوانين التي يقرها مجلس الشعب. هذه التصريحات تضع معياراً قابلاً للاختبار: ليست المسألة أن تكون للدولة مؤسسات، بل أن تكون السلطة نفسها محكومة بهذه المؤسسات.
وهنا يبرز سؤال لا يمكن تأجيله: بين من ومن ستجري المنافسة السياسية في نهاية المرحلة الانتقالية؟
حتى الآن، لا يوجد إطار قانوني فعّال لتسجيل الأحزاب، ولم يكن تشكيل البرلمان قائماً على انتخابات حزبية وطنية. والانتخابات ليست نقطة زمنية تبدأ يوم فتح الصناديق، بل عملية تبدأ قبل ذلك بسنوات: بقانون أحزاب، وقواعد تمويل سياسي، وإعلام قادر على استضافة الاختلاف، وبرامج سياسية، ومساحة للقوى المختلفة.
لقاءات الكونغرس كشفت أن العلاقة السورية-الأميركية دخلت مرحلة مختلفة. بعد رفع العقوبات، لم يعد السؤال: هل ستعود سورية؟ بل: أي سورية ستعود؟ وهذا سؤال سوريّ في المقام الأول.
وهنا يبرز التمييز بين مفهومين: بناء مؤسسات الدولة (وزارات، برلمان، أجهزة) وبناء الدولة المؤسسية (مؤسسات تمارس صلاحياتها وفق القانون، وسلطة تنفيذية خاضعة للرقابة، وتداول سلمي للسلطة). وهذا هو الاختبار الحقيقي لعبارة الشرع: “السلطة مؤسسة لا فرد”.
تصريحات الشرع عن احتمال ترشحه للرئاسة تجعل السؤال أكثر إلحاحاً: ما القواعد التي ستضمن تكافؤ الفرص؟ وما القوى التي ستخوض المنافسة؟ هذه الأسئلة لا تعني حرمانه من الترشح، بل تعني أن قواعد اللعبة يجب أن تكون موجودة قبل أن تبدأ اللعبة.
لا تصبح الدولة دولة مؤسسات لمجرد قوة أجهزتها، بل عندما يغدو تغيير السلطة ممكناً دون المساس بالدولة، وعندما يتوفر للمواطن خيار حقيقي بين مشاريع سياسية متعددة
