الشعور الوطني والوعي الوطني في سوريا التوازن المعدوم بين الانفعال والفكر

فارس دينو :
May be a graphic of text
في المشهد السياسي السوري ثمة خلل بنيوي عميق لم يحظَ بالتحليل الكافي إنه الفجوة بين الشعور الوطني بوصفه حالة انفعالية وجدانية والوعي الوطني بوصفه عملية عقلية نقدية الشعور موجود متجذر يتفجر في لحظات الخطر والمواجهة أما الوعي فمشلول أو مُشوَّه أو مُصادَر والنتيجة أن سوريا تعيش وطنية بلا بوصلة وحماسة بلا مشروع وانتماءً بلا قدرة على ترجمة هذا الانتماء إلى مؤسسات ومواطنة وحياة مشتركة
هذا التمييز ليس ترفاً أكاديمياً في الأدبيات السياسية يُشار إلى الشعور الوطني باعتباره أقرب إلى الغرائز الأولية في حين أن الوعي الوطني هو ذلك الفهم الأكثر ضبطاً وموضوعية للذات الجماعية وعلاقتها بالآخر والعالم الشعور يقول أنا سوري والوعي يسأل ماذا يعني أن أكون سورياً وما الحقوق والواجبات التي يفرضها هذا الانتماء وكيف نعيش معاً باختلافاتنا دون أن نمزق النسيج الجامع
لا يمكن فهم هذا التوازن المعدوم اليوم دون العودة إلى لحظة التأسيس في الفترة بين الاستقلال عام 1946 ووصول اللجنة العسكرية لحزب البعث إلى السلطة عام 1963 كان السؤال حول هوية الدولة السورية ساحة صراع مفتوح بين تصورات متعارضة الوطنية السورية ككيان قُطري مستقل والقومية العربية كأمة لغوية وثقافية أوسع والانتماءات الفرعية الطائفية والمناطقية لم يُحسم هذا الصراع لصالح رؤية جامعة بل جرى قمعه والأسوأ من ذلك أن الأنظمة المتعاقبة لم تكتفِ بتهميش النقاش بل عملت على تفريغ الوطنية من مضمونها واستبدالها بشعارات جوفاء
تحول المواطن إلى فرد معزول أو مجرد رقم قلق ومقهور ومستعبد وتحولت الوطن إلى ضيعة خاصة
هذا الوصف يكشف جوهر المشكلة لم تُقتل الوطنية في سوريا بل سُخّرت لخدمة السلطة الشعور الوطني بقي حياً لأنه لا يمكن استئصاله لكنه فُصل عن أي وعي نقدي يمنحه معنى صار الشعور أداة تعبئة لا أساساً لمشروع وطني
في هذا السياق يكتسب الحديث عن التراث الثقافي والذاكرة الجماعية أهمية خاصة فهذه العناصر تشكل بحسب خبراء التراث السوريين الحامل الأول للذاكرة توثق مسار المجتمعات وتعكس قيمها وأساليب حياتها وتمنح الأفراد إحساساً بالانتماء والاستمرارية في سوريا حيث تعاقبت حضارات متعددة ساهم التراث في تشكيل هوية شاملة تتجاوز الانقسامات الدينية والعرقية والمناطقية
لكن هذه الإمكانية نفسها تحمل خطراً مزدوجاً عندما يُوظَّف التراث لأغراض دعائية ضيقة يتحول من جسر بين السوريين إلى أداة تفريق وعندما يُستدعى الماضي كبديل عن مواجهة الحاضر يصبح نوستالجيا عقيمة لا وعياً ناضجاً والوعي الوطني الحقيقي لا يعني الجمود على ماضٍ مثالي بل تكوين مواطنين واعين بجذورهم وقادرين على التعامل مع الحداثة دون فقدان هويتهم
المفارقة السورية الكبرى أن شعوراً وطنياً عميقاً قادر على التضحية والتعبئة لم يُترجم أبداً إلى مؤسسات مواطنة حقيقية الوطنية الحقيقية ليست شعوراً مجرداً بل عقد حي وعلاقة ثقة متبادلة بين المواطن ومؤسساته هذا العقد غائب
في غياب دولة القانون يصبح الولاء للأقرب لا للأعلى للعائلة للطائفة للعشيرة للزعيم المحلي ليس لأن السوريين قبليون بطبعهم بل لأن الدولة لم تقدم أبداً نموذجاً بديلاً موثوقاً عندما يشعر الفرد أن القانون أقوى من الجماعة وأن حقوقه لا تحتاج إلى وساطة زعيم أو طائفة عندها فقط يتحول الوطن من فكرة عاطفية إلى واقع ملموس المشكلة ليست في الجماعات الأولية بل في غياب المواطنة الجامعة
هل يمكن إعادة التوازن هذا هو السؤال المركزي أي مشروع وطني جاد في سوريا لا يمكن أن يكتفي بإحياء الشعور فهو موجود أصلاً ولا يمكن أن يكتفي بخطاب المواطنة المجرد فهو يبدو فارغاً لمن عاش عقوداً من الاستبداد المطلوب هو وعي وطني متجذر في التجربة السورية الملموسة وعي يعترف بالتنوع ولا يخافه ويستلهم التراث دون أن يأسره ويبني المواطنة على قاعدة قانونية صلبة
في دستور سوريا المأمول كما تشير بعض التحليلات ثمة توتر بين من يعتبرون الهوية أساس الحقوق ومن يعتبرون المواطنة المتساوية أساس الأمة لكن الحل ليس في تغليب أحد الطرفين على الآخر الحل في تسلسل منطقي مواطنة متساوية أولاً وهوية في إطارها تتفتح بمعنى آخر الوعي الوطني لا يُبنى على فرض تعريف واحد للشخصية السورية الجامعة بل على ضمان أن كل سوري أياً كان انتماؤه الفرعي يشعر أن هذا الوطن له

التوازن المعدوم بين الشعور الوطني والوعي الوطني في سوريا ليس قدراً إنه نتاج تاريخي محدد صراعات إقليمية استبداد طويل غياب مؤسسات مدنية حرة وذاكرة جُرحت أكثر من مرة لكن الشعور وحده لا يبني وطناً يحتاج إلى وعي يحوّل الحماسة إلى مشروع والتضحية إلى بناء والانتماء إلى مواطنة وسوريا بتراثها المتعدد وذاكرتها الطويلة تملك المادة الخام لهذا الوعي ما ينقصها هو الإرادة السياسية والمساحة الحرة لصياغته

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *