أحياناً وأنا أتابع مظاهر التنطع باسم الدين، ومحاولة البلطجة واستعراض العضلات بالطقوس، أحس أننا في حفلة زار باتساع حدود الوطن، الدين عندنا لم يعد الضمير، لكنه صار شو في حفل تنكري!، أستطيع تشخيص هذا المرض تحت اسم «العصاب الديني الجماعي»، وهو ليس تشخيصًا طبيًا معتمدًا، ولا يعنى أن التدين مرض نفسى.
فالإنسان يخشى النبذ أكثر مما يتصور، فإذا كان ثمن السؤال أن تخسر محيطك الاجتماعي، يصبح الصمت أكثر أمانًا، وكل شخص يظن أن الآخرين أكثر يقينًا منه، بينما قد يكون الآخرون أنفسهم يخفون شكوكهم للسبب ذاته، وهكذا يمكن لمجتمع كامل أن يصنع جدارًا من اليقين، وكل حجر فيه إنسان خائف، وفى الحالات الأكثر تطرفًا يتحول الضمير نفسه إلى غرفة تعذيب، هل كانت نيتي نقية؟، هل قلت العبارة بطريقة صحيحة؟، هل الفكرة العابرة التي مرت بعقلي خطيئة؟ هل هذه المصيبة عقاب لي؟، وهنا قد نغادر مساحة التدين الطبيعي إلى ما يعرفه الطب النفسي باسم الوسواس الديني، وهو أحد الأشكال التي يمكن أن يظهر بها اضطراب الوسواس القهري، لكن المفارقة أن الإيمان الناضج قد يقف على الجانب الآخر تمامًا، فالإيمان الذى يحتمل السؤال أقوى من الإيمان الذى يخافه، والتدين الذى يمنح صاحبه الرحمة والسكينة يختلف جذريًا عن تدين يبقى جهازه العصبي فى حالة إنذار دائم، وفزع مزمن، فالشك ليس دائمًا عدوًا للحقيقة، أحيانًا يكون الطريق الوحيد إليها، العلم تقدم لأنه قال: ربما نكون مخطئين، والفلسفة بدأت لأن إنسانًا امتلك الجرأة ليسأل: لماذا؟، والحضارة نضجت عندما أصبح من الممكن الاعتراض دون أن يصبح جريمة، الخطر إذن ليس في أن يؤمن الإنسان، بل في أن يتصور أنه امتلك الحقيقة كاملة، عندها لا يعود اليقين إجابة تهزم الخوف، بل يصبح الخوف حارسًا لليقين، وأخطر مجتمع ليس المجتمع الذي كثرت فيه الأسئلة، بل المجتمع الذي ماتت فيه الأسئلة لأن الجميع أصبحوا يحفظون الإجابة.
