مروان صباح :
منذ أن ارتبطت نشأة الدولة اليهودية في الوعي التاريخي بالحرب والصراع ، ظلت القيادة العسكرية واحدة من أهم البوابات التىّ تعبر منها الشخصيات إلى السياسة ، ففي الذاكرة اليهودية ثلاث شخصيات ارتبطت أسماؤها على نحو وثيق بالقيادة العسكرية والدينية : يهوشع بن نون (يشوع)، القائد العسكري والديني الذي قاد حروب بني إسرائيل في كنعان ؛ ويهودا المكابي، القائد العسكري والشخصية المحورية في الثورة المكابية ضد الحكم السلوقي في القرن الثاني قبل الميلاد ؛ ثم شمعون بار كوخبا ، قائد الثورة اليهودية في القرن الثاني الميلادي ، والذي نظر إليه بعض معاصريه بوصفه شخصية ذات طابع ديني ومسياني ، ومن تلك الذاكرة القديمة إلى إسرائيل الحديثة ، لم يتغير حضور العسكري في صناعة القيادة السياسية كثيراً ، فقد وصل إلى رئاسة الحكومة قادة خرجوا من المؤسسة العسكرية محملين بسجل طويل من الحروب والعمليات الميدانية والأمنية والاستخباراتية ، وفي مقدمتهم إسحاق رابين ، وإيهود باراك ، وأريئيل شارون ، الذين شكلت خلفياتهم العسكرية أحد أهم مصادر شرعيتهم الشعبية والنخبوية في قيادة إسرائيل ، قبل أن يستقر المشهد السياسي طويلاً في عهد بنيامين نتنياهو ، واليوم ، وفي ظل الأزمة العسكرية والأمنية والاستخباراتية التىّ تواجه إسرائيل ، يعود الجنرال إلى الواجهة السياسية من جديد ، لكن هذه المرة باسم غادي أيزنكوت، رئيس هيئة الأركان السابق ، الذي يظهر بقوة في الحسابات الانتخابية بوصفه أحد أبرز المرشحين المحتملين لرئاسة الحكومة ، وإذا نجح أيزنكوت في الوصول إلى المنصب ، فإنه سيكون رابع رئيس حكومة من خلفية عسكرية مباشرة بين رؤساء الحكومات الإسرائيلية ، لكن صعوده لا يبدو ، في جوهره ، مجرد محاولة لإعادة هيبة الجيش بعد الإخفاقات التىّ كشفتها الحرب ؛ فالمسألة أعمق من ذلك ، وترتبط بأزمة ثقة في طبيعة الدولة نفسها ، وفي العلاقة بين الجيش والأجهزة الأمنية من جهة ، والقيادة السياسية والتيارات الأيديولوجية المتشددة من جهة أخرى ، فثمة اعتقاد متزايد داخل بعض الأوساط العسكرية والأمنية بأن هناك تنظيماً سياسياً واجتماعياً منظماً تقوده قيادات مرتبطة بالمستوطنين والتيارات اليمينية الدينية والقومية ، يعمل على إعادة تشكيل الدولة بهدوء ، بما يشبه «انقلاباً أبيض» لا يستهدف المؤسسة العسكرية وحدها ، وإنما يسعى إلى تغيير موازين القوة داخل المجتمع ومؤسسات الدولة نفسها .
وفي مقابل هذا القلق ، تبدو استطلاعات الرأي وكأنها تعكس بحثاً إسرائيلياً عن شخصية مختلفة ؛ شخصية لا تأتي من المسرح السياسي التقليدي ، بقدر ما تأتي من المؤسسة التىّ ما زال الإسرائيليون ينظرون إليها باعتبارها إحدى ركائز أمن الدولة ، فمنذ الائتلاف الحكومي الأخير ، عاش الجمهور الإسرائيلي ، وفقاً لكثير من الانتقادات الداخلية ، أمام مشهد سياسي يشبه المسرحية ؛ ممثلون على خشبة واحدة ، كثفوا الصور الاستعراضية ، وقدّموا المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة العامة ، بينما دخلت إسرائيل في استنزاف اقتصادي وبشري ودبلوماسي ، وفقدت كامل سمعتها ومكانتها الدولية ، وهذه تحديداً هي الصورة التىّ يحاول أيزنكوت أن يقف على النقيض منها ، فالرجل ، في نظر مؤيديه ، يبدو أكثر توازناً ، وأقرب إلى صورة الجندي والجنرال الذي يعرف معنى الحرب وتكاليفها ، لا السياسي الذي يتعامل معها بوصفها ورقة انتخابية ، والأهم من ذلك أن أيزنكوت لا يتحدث عن الفقد من موقع المراقب ؛ لقد دفع ثمناً شخصياً مباشراً للحرب ، حين قُتل ابنه في قطاع غزة ، كما فقد شقيقه اثنين من أبنائه في الحرب ، وهنا تتحول السيرة الشخصية إلى رصيد سياسي شديد التأثير ، ففي مجتمع إسرائيلي يعيش منذ عقود تحت هاجس الأمن ، وتُقاس فيه الحروب كثيراً بعدد الأبناء الذين لا يعودون إلى منازلهم ، يصبح الجنرال الذي فقد ابنه وشهد عائلته تدفع الثمن أكثر من مجرد قائد عسكري سابق ، يصبح جزءاً من تجربة جماعية يعيشها الإسرائيليون أنفسهم ، ولذلك، فإن خطابه ، بالنسبة إلى كثير من الناخبين ، يبدو أكثر صدقاً ؛ فهو يتحدث عن الحرب من داخل خسارته الشخصية ، لا من خلف منصة سياسية ، وهذه ميزة يصعب على الحملات الانتخابية الأخرى تقليدها أو منافستها .
ولا تقف عناصر القوة عند هذا الحد ، فأيزنكوت، القادم من صفوف لواء غولاني ، محسوب على الصقور في المؤسسة العسكرية ، ويمتلك خبرة ميدانية وأمنية واستخباراتية طويلة ، وفي الوقت نفسه ، فإن اتخاذه موقفاً سياسياً من حكومة نتنياهو وانسحابه منها جعله أكثر قدرة على تقديم نفسه باعتباره بديلاً عن الائتلاف الحاكم ، ولا سيما أمام الشرائح الشرقية التىّ يمكن أن ترى فيه شخصية قادمة من خارج النخبة الأشكنازية التقليدية التىّ يربطها خصومها بمفهوم «الدولة العميقة» ، كل ذلك يمنح الجنرال مزايا انتخابية لا تتوافر بسهولة لمنافسيه ؛ فهو يأتي من المؤسسة العسكرية ، لكنه لا يظهر باعتباره مجرد ممثل لها ، ويدخل السياسة حاملاً تجربة الحرب ، لكنه يدفع ثمنها في حياته الخاصة أيضاً ، ومع ذلك ، يبقى لبنيامين نتنياهو ما لا يملكه أيزنكوت بالضرورة بالدرجة نفسها : القدرة الاستثنائية على إدارة التحالفات السياسية ، فنتنياهو راكم خلال عقود خبرة واسعة في إعادة تركيب الائتلافات ، والمناورة بين الأحزاب والتيارات ، والحفاظ على بقائه السياسي حتى في أكثر اللحظات صعوبة ، وهو ما يحتاجه أيزنكوت تعلمه ، لكن أياً كان اسم رئيس الحكومة المقبلة ، فإن إسرائيل ستدخل مرحلة سياسية مختلفة ؛ مرحلة لن يكون التحدي الأكبر فيها مجرد تشكيل ائتلاف حكومي ، بل إدارة إرث حرب ثقيل .
فإسرائيل أنفقت ، وفق تقارير اقتصادية ، نحو 150 مليار دولار على الحرب ، فضلاً عن المساعدات المالية والعسكرية والدبلوماسية والاستخباراتية التىّ تلقتها من الخارج ، فيما تواجه في المرحلة المقبلة احتياجات أمنية ضخمة قد تصل إلى مئات المليارات لإعادة بناء قدراتها وتعزيز أمنها ، وهذا يضع الاقتصاد أمام معادلة صعبة ، فالحكومة الحالية اتجهت إلى رفع الضرائب وتوسيع الأعباء المالية ، لكن دولة تقوم في بنيتها الاقتصادية على اقتصاد حر ، والإنتاج المحلي ، والتكنولوجيا ، والتجارة العالمية ، والخدمات العامة ذات المستوى المرتفع ، لا تستطيع أن تجعل الضرائب وحدها وسيلة دائمة لتمويل احتياجات مؤسساتها ، وخصوصاً مؤسسة عسكرية تزداد كلفتها عاماً بعد آخر ، وصحيح أن الاقتصاد الإسرائيلي أظهر قدرة على الصمود رغم الحرب ، مستفيداً من قوة قطاع التكنولوجيا والصناعات العسكرية ، ومن عائدات الغاز ، فضلاً عن الدعم الخارجي ، لكن حجم الإنفاق العسكري والاستنزاف البشري والنزوح الطويل يجعل استمرار الحرب عبئاً يصعب على أي اقتصاد ، مهما كانت قوته ، تحمله إلى ما لا نهاية ، ومن هنا ، فإن الحكومة المقبلة ، سواء قادها أيزنكوت أو غيره ، سترث اقتصاداً أكثر صعوبة ، وفاتورة حرب ضخمة ، ومجتمعاً مرهقاً ، ومؤسسة عسكرية تحتاج إلى إعادة بناء الثقة والقدرات ، ودولة تحتاج إلى ترميم صورتها الخارجية ، وقد تكون المفارقة أن خسارة نتنياهو للسلطة يمكن أن تتحول ، في جانب منها ، إلى مكسب لمن يخلفه ؛ لأن الحكومة الجديدة ستصل إلى الحكم وهي قادرة على تحميل سابقتها جانباً كبيراً من مسؤولية الإرث الثقيل ، ثم تقديم نفسها باعتبارها بداية لمرحلة جديدة .
لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل أيزنكوت ، وربما مستقبل إسرائيل نفسها ، لن يكون فقط : هل يستطيع الجنرال أن يفوز بالحرب الانتخابية؟ بل السؤال الأصعب سيكون : هل يستطيع أن ينتقل من قيادة الجيش في زمن الحرب إلى قيادة الدولة في زمن ما بعد الحرب؟ ، فإسرائيل المقبلة لن تحتاج فقط إلى جنرال يعرف كيف يخوض المعركة ، ولا إلى سياسي يعرف كيف يدير التحالفات ، وإنما إلى رجل دولة يستطيع التعامل مع الاقتصاد والأمن والمجتمع والدبلوماسية في وقت واحد ، ويعيد للإسرائيليين الثقة التىً استنزفتها الحرب .
