مؤامرة على الحياة أم عجز عن صناعة معناها؟ – من عتاب أمية بن أبي الصلتإلى تشاؤم سيوران وسؤال الدولة والإنسان …

مروان صباح:

        ثمة لحظة في حياة الإنسان يكتشف فيها أن أكثر الأشياء التىّ اعتاد اعتبارها طبيعية ليست كذلك تماماً ، الولادة ، الأسرة ، التربية ، الدولة ، السلطة ، وحتى فكرة الاستمرار نفسها ؛ كلها تبدو في البداية حقائق بديهية ، ثم تتحول ، تحت ضغط التجربة ، إلى أسئلة مفتوحة لا إجابات نهائية لها ، فالإنسان لا يختار أن يأتي إلى العالم ، ولا يختار والديه ، ولا البيئة التىّ يولد فيها ، ولا اللغة التىّ سيتحدث بها ، ولا الدولة التىّ سيحمل جنسيتها ، يدخل الحياة كما لو أنه يدخل مسرحاً بدأ العرض فيه قبل وصوله ، ثم يُطلب منه ، بعد ذلك ، أن يؤدي دوره وأن يمنح وجوده معنى ، ولعل هذه المفارقة القديمة هي التىّ تجعل علاقة الآباء بالأبناء واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية تعقيداً ؛ فهي تبدأ بالعطاء الكامل تقريباً ، ثم تنتهي أحياناً إلى خيبة ، أو تمرد ، أو مسافة لا يستطيع طرفاها تفسيرها بسهولة ، وفي الشعر الجاهلي ، نجد عند أمية بن أبي الصلت صورة بليغة لهذه المفارقة ، يقول في عتاب ابنه : «غَذَوْتُكَ طِفْلًا وَعِلْتُكَ يَافِعًا

تُعَلُّ بِمَا أُجْنِي عَلَيْكَ وَتَنْهَلُ

إِذَا لَيْلَةٌ نَابَتْكَ بِالشَّكْوَى لَمْ أَبِتْ

لِشَكْوَاكَ إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَلُ

فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنَّ وَالْغَايَةَ الَّتِي

إِلَيْهَا مَدَى مَا فِيكَ كُنْتُ أُؤَمِّلُ

جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَةً وَفَظَاظَةً

كَأَنَّكَ أَنْتَ الْمُنْعِمُ الْمُتَفَضِّلُ» ، لا تكمن قوة هذه الأبيات في عتاب الأب لابنه فحسب ، وإنما في السؤال الكامن خلفها : ماذا يحدث حين لا تأتي نتيجة التربية متطابقة مع حجم التضحية؟

الأب هنا لا يعدد ما قدمه لابنه لكي يسترد ديناً مادياً ، وإنما يستحضر سنوات من الرعاية والسهر والأمل ، لقد ربّى طفلاً ، وانتظر رجلاً يشبه ما كان يؤمله ، لكنه وجد ، في النهاية ، شخصاً مستقلاً عنه ، له إرادته وشخصيته وخياراته وربما اعتراضاته أيضاً ، وهنا تبدأ المأساة الصغيرة التىّ ستكبر لاحقاً لتصبح سؤالاً فلسفياً : هل يملك الإنسان حق صناعة الآخر لمجرد أنه أنجبه ؟، الأب لا يملك ذلك الحق ، كما أن الابن لم يختر أن يكون ابناً لهذا الأب ، ومن هذه النقطة تحديداً يمكن الاقتراب من عالم إميل سيوران، لا بوصفه مجرد فيلسوف متشائم ، وإنما بوصفه أحد أكثر من دفعوا سؤال الوجود إلى حافته القاسية .
تُروى عن والدة سيوران عبارة شديدة القسوة ، مفادها أنها لو كانت تعرف مسبقاً ما سيؤول إليه حال ابنها ، لما أنجبته ، وبغض النظر عن القيمة التاريخية الدقيقة لهذه الرواية ، فإن أهميتها في سياق تجربة سيوران تكمن في الأثر الذي تركه سؤال الولادة في فلسفته ، فالطفل الذي لا يستشار في مجيئه إلى العالم ، يصبح لاحقاً هو الكائن الذي يُطلب منه أن يتحمل العالم كله : ألمه، ومخاوفه ، وموتَه ، وخيباته، وحاجته إلى المعنى ، وهنا لا يعود السؤال : هل أنا سعيد لأنني ولدت؟ بل يصبح أكثر جذرية : هل كان ينبغي أن أولد أصلاً؟ ، هذه النقلة من سؤال الحياة إلى سؤال مشروعية الحياة هي التىّ جعلت التشاؤم عند سيوران أكثر من مجرد مزاج شخصي ، فالوجود ، في رؤيته ، ليس هدية بريئة بالضرورة ؛ إنه أيضاً إدخال لكائن جديد إلى دائرة الألم والموت والرغبة والفقدان ، ومن هنا تأتي أهمية كتاب توماس ليغوتي «مؤامرة ضد الجنس البشري»، الذي يدفع هذا النوع من التفكير إلى منطقة أكثر ظلمة ، فليغوتي يتعامل مع الوعي الإنساني بوصفه مفارقة قاسية : الإنسان هو الكائن الذي يستطيع أن يدرك بوضوح أنه سيموت ، وأن يتوقع الألم قبل حدوثه ، وأن يعرف هشاشته ، ومع ذلك يستمر في الإنجاب وإعادة إنتاج النوع ، كأن البشرية ، وفق هذا المنظور ، لا تكتفي بأن تكون ضحية المأساة ؛ بل تساهم ، من خلال الإنجاب ، في استمرارها ، لكن هل يعني ذلك أن الولادة خطأ؟ هنا ينبغي التوقف ، فالقول إن الإنسان لم يختر أن يولد صحيح ، لكن تحويل هذه الحقيقة إلى نتيجة مفادها أن الحياة لا تستحق أن تُعاش يحتاج إلى قفزة فلسفية أخرى ليست بالضرورة ملزمة .
فالإنسان لا يختار البداية ، لكنه يستطيع أن يتدخل في ما يأتي بعدها ، إنه لا يملك قرار الدخول إلى الحياة ، لكنه يملك ـ بدرجات متفاوتة ـ القدرة على اختيار موقفه منها ، يستطيع أن يحب ، وأن يرفض ، وأن يتمرد ، وأن يغيّر ، وأن يبني ، وأن يحوّل الألم نفسه إلى معرفة أو فن أو مشروع أو تضامن ، وهنا يصبح الفرق بين عدم اختيار الحياة وعدم القدرة على تشكيلها فرقاً جوهرياً ، فقد لا يكون الإنسان مسؤولاً عن وجوده الأول ، لكنه يصبح مسؤولاً ، شيئاً فشيئاً، عن الطريقة التىّ يعيش بها هذا الوجود ، ولعل هذا ما يجعل التربية أكثر تعقيداً مما تبدو عليه ، فالآباء يعتقدون أحياناً أنهم يربون أبناءهم ، بينما الحقيقة أن الابن يتشكل أيضاً خارج إرادتهم : في المدرسة ، والشارع ، والأصدقاء ، والاقتصاد ، والثقافة ، والإعلام ، والدولة ، والحرب ، والفقر ، والطبقة الاجتماعية ، وحتى في الصدف التىّ لا يمكن التحكم فيها ، ولهذا لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية الإنسان الذي يصبحه الطفل ، فكما أن الأب لا يستطيع أن يضمن أن يصبح ابنه مطابقاً لتوقعاته ، فإن المجتمع لا يستطيع أن يصنع مواطناً مطابقاً تماماً لما تريده السلطة .
ومن هنا تبدأ السياسة ، فإذا كانت الأسرة هي أول مؤسسة يتعلم فيها الإنسان معنى السلطة والطاعة والحماية ، فإن الدولة هي النسخة الكبرى والأكثر تعقيداً من هذه العلاقة ، فالإنسان يحتاج إلى الآخرين لأنه ضعيف بمفرده ، يحتاج إلى التعاون والأمن والقانون ، ولذلك يتنازل عن جزء من حريته لصالح الجماعة، لكنه ، في المقابل، يكتشف أن المؤسسة التىّ أنشأها لحمايته يمكن أن تتحول إلى قوة تحد من حريته ، وهنا تظهر واحدة من أقدم مفارقات السياسة : نحن نبني السلطة خوفاً من الفوضى ، ثم نحتاج إلى حماية أنفسنا من السلطة حين تتضخم ، فالخوف ، إذن ، لا ينتج الفوضى وحدها ؛ يمكن أن ينتج النظام أيضاً ، والرغبة في الأمن لا تقود دائماً إلى الحرية ، بل قد تقود إلى قبول التنازل عنها ، والإنسان الذي يخشى الإنسان الآخر قد يقبل بقيود لم يكن ليقبل بها في ظروف أخرى ، فقط لأنه يريد أن يشعر بالأمان ، بهذا المعنى ، فإن الدولة ليست مجرد نقيض للفوضى ، وإنما هي محاولة تاريخية لتنظيم الخوف البشري .
لكن تنظيم الخوف لا يعني القضاء عليه ، فالسلطة تحتاج إلى الطاعة ، والطاعة تحتاج إلى شرعية ، والشرعية تحتاج إلى قدر من القبول ، والقبول قد يتحول ، في ظروف معينة ، إلى استسلام ، ومن هنا يمكن أن ينتقل المجتمع من التعاقد إلى القهر دون أن يلاحظ لحظة التحول بدقة ، ولذلك فإن الصراع ليس ظاهرة تقع خارج الطبيعة البشرية تماماً ؛ إنه حاضر داخل أكثر علاقاتنا حميمية ، الأب يريد شيئاً لابنه ، والابن يريد شيئاً لنفسه ، الدولة تريد النظام ، والفرد يريد الحرية ، المجتمع يريد الامتثال ، والفرد يريد الاختلاف ، الأسرة تريد الاستمرار ، والفرد يريد أن يصنع ذاته ، والإنسان يريد الأمن ، لكنه لا يريد أن يدفع ثمنه كاملاً من حريته ، هذه التناقضات ليست بالضرورة دليلاً على فساد الإنسان ، وإنما ربما تكون جزءاً من بنيته الأساسية ، ومن هنا يمكن فهم عتاب أمية بصورة مختلفة ، فالأب الذي يقول لابنه: «جعلت جزائي غلظة وفظاظة» يعتقد ، في لحظة الألم ، أن العطاء ينبغي أن ينتج الوفاء ، لكن الإنسان ليس آلة أخلاقية تعمل وفق معادلة : أعطيك ، فترد إليّ ما أعطيتك ، فالحب نفسه لا يضمن الامتنان ، والتربية لا تضمن الطاعة ، والتضحية لا تضمن الوفاء ، والسلطة لا تضمن الاستقرار ، والولادة لا تضمن السعادة ، وهذه ربما هي المأساة الحقيقية : أننا نبني علاقاتنا على التوقع ، ثم نتألم عندما يرفض الآخر أن يكون كما توقعناه ، ومن هنا يصبح سيوران أكثر قابلية للفهم ، لكن ليس بالضرورة أكثر قابلية للاتباع ، فقد يكون تشاؤمه نتيجة طبيعية لرؤية الإنسان وهو يكتشف أن الحياة لا تقدم ضمانات ، لكن تحويل غياب الضمان إلى إدانة للحياة نفسها قد يكون نوعاً آخر من التبسيط ، فالإنسان لا يعيش لأنه ضمن السعادة ، بل لأنه قادر على المخاطرة من أجل احتمالها ، ولا ينجب لأنه يعرف أن أبناءه سيكونون سعداء ، بل لأنه يراهن على إمكانية أن تكون حياتهم ذات معنى ، ولا يبني الدولة لأنه يثق تماماً بالسلطة ، بل لأنه يخشى البديل ، ولا يبحث عن الحب لأنه يضمن عدم الخذلان ، بل لأنه يعرف أن الوحدة أكثر قسوة ، وهكذا ، ربما لا تكون الحياة انتصاراً على العبث ، وإنما محاولة مستمرة للتعايش معه.
وهنا أعتقد أن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت البشرية قد ارتكبت خطأ حين استمرت في الإنجاب ، كما قد يوحي التشاؤم الراديكالي ، وإنما : ماذا نفعل بالعالم الذي سنتركه لمن سيأتي؟ إذا كان الطفل لا يختار أن يولد ، فإن مسؤوليتنا لا تنتهي عند لحظة إنجابه ، نحن نمنحه ، من دون استشارته ، عالماً سيعيش فيه : مدرسة ، ومدينة ، واقتصاداً ، ودولة ، وثقافة ، وحروباً محتملة ، وحدوداً ، وقوانين ، وذاكرة تاريخية ، وأفكاراً عن الخير والشر والنجاح والفشل ، ومن هنا تصبح السياسة، في جوهرها ، جزءاً من أخلاق الإنجاب .
فالسؤال عن الطفل ليس فقط : لماذا أنجبناه؟بل أيضاً: أي عالم أعددناه له؟ إذا كان التشاؤم يرى أن البشرية تكرر الكارثة بإنجاب أجيال جديدة ، فإن السياسة الأخلاقية ينبغي أن تسأل كيف نمنع الكارثة من أن تكون قدر الأجيال الجديدة ، وربما هنا تحديداً يكون الرد الأكثر إنسانية على سيوران وليغوتي: ليس بالاحتفال الساذج بالحياة ، ولا بإنكار الموت والألم ، وإنما بمحاولة جعل العالم أقل قسوة مما وجدناه عليه ، فإذا لم نختر الولادة ، فلنحاول على الأقل أن نكون جديرين بما ترتب عليها من مسؤولية ، وإذا لم نختر آباءنا ، فلنحاول ألا نورث أبناءنا كل أخطائنا ، وإذا اضطررنا إلى العيش داخل الدولة ، فلنحاول ألا نسمح لها بأن تتحول من وسيلة لتنظيم الحياة إلى أداة للسيطرة عليها ، وربما لهذا لا يكون الإنسان مشروعاً فاشلاً كما قد يبدو في أكثر لحظات التشاؤم قتامة ، بل مشروعاً غير مكتمل .
نحن نولد ناقصين في حاجتنا إلى الآخرين ، وضعفاء في مواجهة العالم ، ومحدودين أمام الموت ؛ لكن هذه الحدود نفسها هي التىّ دفعتنا إلى الحب والتعاون والفلسفة والفن والقانون والسياسة ، ولذلك ، فإن السؤال عن الوجود لا ينبغي أن ينتهي بالضرورة إلى رفضه ، قد يكون السؤال الأكثر صعوبة ، والأكثر مسؤولية ، هو : إذا كنا قد وُلدنا في عالم لم نختره ، فهل نستطيع أن نترك لمن سيأتي بعدنا عالماً يختار فيه حياته بقدر أكبر من الحرية؟
عند هذه النقطة ، لا يعود الخلاف بين أمية وسيوران وليغوتي خلافاً حول الولادة وحدها ، بل حول المسؤولية عن العالم ، فأمية يسأل عن الابن الذي لم يكن كما أراد ، وسيوران يسأل عن الإنسان الذي لم يطلب أن يولد ، وليغوتي يسأل عن النوع البشري الذي يواصل إعادة إنتاج نفسه رغم معرفته بمأساته.
أما نحن ، فربما ينبغي أن نسأل سؤالاً رابعاً : ماذا لو لم تكن المشكلة في أن الإنسان وُلد ، بل في العالم الذي نصرّ على أن نُعيده إليه كما هو؟

ربما لا تكون المؤامرة ضد الجنس البشري هي مجرد مؤامرة الوجود والموت ، كما يراها التشاؤم الفلسفي ؛ ربما تكون المؤامرة الحقيقية هي قبولنا المستمر بعالم نعرف عيوبه ، ثم توريثه إلى الذين لم يطلبوا منا أن يولدوا فيه ، ومع ذلك ، لا شيء أعمق من أن نردّ بعض الجميل لمن ربّونا ، ولا أن نرى أعمارنا تمتدّ في أبنائنا ؛ فكأن الوفاء للوالدين وتربية الأبناء هما محاولتنا الصامتة لأن نجعل هذا العالم ، الذي ورثناه ناقصًا ، أقلّ قسوةً على من سيأتي بعدنا…والسلام  

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *