حين تتوقف الخيول عن الركض – الشجاعة بين العقل والقيادة والحرية …

مروان صباح:
الأحداث على السوشيال ميديا بين العقل والعواطف فى كاريكاتير اليوم السابع - اليوم السابع      على الأغلب ، كنت في تماريني الرياضية أميل إلى بناء القوة أكثر من بناء العضلات الظاهرة ، وإلى رفع مستوى اللياقة البدنية ، مع الحفاظ على قدر من التركيز يتجاوز المعتاد ، ولم أكن أدرك في البداية أن هذا النمط من التدريب يخفي وراءه فكرة أوسع من مجرد بناء الجسد ؛ فقد كنت أتعلم ، من حيث لا أدري ، أن القوة ليست في حجم العضلات وحده ، وإنما في القدرة على ضبطها وتوجيهها واستخدامها في اللحظة المناسبة ، ربما يعود جزء من هذا الفهم إلى تجربتي الأولى مع ركوب الخيل في ضواحي العاصمة التونسية ” سكرة ” ، حين اصطحبني إليها صديق اخي الكبير فادي ، هناك التقيت بثائر ، وهو عراقي ، وكان أول من أدخلني إلى عالم الخيل بطريقة مختلفة ، لم يكتفِ بتعريفي بأنواعها ، بل أخذ يشرح لي كيف يُبنى جسم الخيل رياضياً ، وكيف تُطوَّر قوته من خلال الهرولة والمرونة والتوازن ، وكيف يُزاد الحمل تدريجياً ، حتى يصبح الظهر والكتفان والصدر والساقان أكثر قدرة على التحمل والحركة ، لكن ، بعد سنوات ، اكتشفت أن أكثر ما بقي في ذاكرتي من تلك التجربة لم يكن شكل الخيل ولا قوتها الجسدية ، وإنما شيء آخر أكثر دقة : الانتباه ، فالخيل ، مهما بلغت قوته ، لا يمكن أن يكون جيداً من دون يقظة ، والقوة إذا لم يرافقها توازن تصبح عبئاً على صاحبها ، والسرعة إذا لم يضبطها العقل قد تتحول إلى اندفاع نحو المجهول ، ومن هنا بدأت أفهم ، بصورة مختلفة ، العلاقة بين الجسد والعقل ، وبين القوة والسيطرة عليها ، ثم بين الشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار .
أتذكر جيداً أول مرة طلب فيها ثائر العراقي أن تُحضَر بعض الخيول إلى أرض مفتوحة وأن تُطلَق معاً لتتسابق ، كنت أتصور أن المسألة ستُحسم ببساطة : الفرس الأقوى والأسرع سيتقدم ، والبقية ستتبعه ، لكن ما حدث كان أكثر إثارة من ذلك ، كانت الخيول تندفع بسرعة كبيرة ، ثم خفّف أحدها سرعته فجأة ، لم يكن الأقوى ، وربما لم يكن الأسرع ، لكنه فعل شيئاً جعل الآخرين يعيدون حساباتهم ، توقفت الخيول الأخرى عن الاندفاع كما لو أن أحداً منها اكتشف خطراً لم تره البقية ، أخذت تخفف سرعتها ، ثم راحت تتبعه ، في تلك اللحظة ، فهمت شيئاً لم أكن قد فكرت فيه من قبل : قد يستطيع أحدهم أن يقود الآخرين من دون أن يكون الأقوى بينهم ، وقد يصبح التوقف أحياناً أكثر تأثيراً من الاندفاع ، كانت الخيول الأخرى لا تعرف لماذا خفّض ذلك الحصان سرعته ، لكنها افترضت أن لديه سبباً ، وهنا تبدأ القيادة في صورتها الأكثر بدائية : الثقة بما لا نراه ، والاعتقاد بأن الآخر يمتلك معرفة لا نمتلكها ، لكن هذه الصورة البسيطة تحمل سؤالاً سياسياً وفلسفياً كبيراً : ماذا يحدث عندما يتوقف الإنسان عن السؤال عن سبب تبعيته للآخرين ؟، هنا تحديداً انتقلت بالنسبة لي قصة الخيل من الميدان إلى الحياة ، فالإنسان لا يصبح تابعاً لأنه ضعيف جسدياً ، بل قد يصبح تابعاً لأنه يتخلى عن مسؤوليته في التفكير ، وقد لا يبدأ الأمر بخضوع واضح ؛ يبدأ أحياناً من عادة صغيرة : أن ينتظر المرء من يقرر عنه ، أو أن يتبنى رأياً لأنه رأي الجماعة ، أو أن يصدق موقفاً لأن شخصاً يثق به قاله ، أو أن يعتبر كثرة المتابعين دليلاً على صحة الفكرة .
ومع الوقت ، يصبح التفكير المستقل جهداً غير ضروري ، وهنا تتحول التبعية إلى نمط حياة ، في السياسة تحديداً ، تصبح هذه المسألة أكثر خطورة ، فالجمهور الذي يتوقف عن السؤال ، والسياسي الذي يتعود أن يُطاع من دون سؤال ، يصنع كل منهما الآخر ، السياسي لا يستطيع أن يبني سلطته على الطاعة العمياء إلا عندما يجد مجتمعاً مستعداً للتنازل عن جزء من عقله ، والمجتمع الذي اعتاد أن يفكر السياسي نيابة عنه ، يبدأ تدريجياً في اعتبار السؤال نوعاً من الخيانة ، والنقد نوعاً من العداء ، والاختلاف خروجاً عن الصف ، وهكذا لا يعود القطيع بحاجة إلى راعٍ قوي ؛ يكفي أن يتعلم أفراده الركض خلف بعضهم بعضاً ، لكن ماذا لو توقف أحدهم وسأل؟ ، ماذا لو قال أحدهم : ما الدليل على وجود الخطر؟ لماذا خفّف ذلك الحصان سرعته؟ ولماذا ينبغي لنا أن نتبعه؟ عندها يتغير المشهد كله ، ذلك السؤال البسيط هو في جوهره فعل حرية ، فالحرية لا تبدأ عندما يقول الإنسان «لا»، وإنما تبدأ قبل ذلك ، عندما يسأل: لماذا أقول نعم؟ ، وهنا تظهر العلاقة العميقة بين العقل والشجاعة ، فالعقل وحده لا يكفي إذا كان صاحبه يخاف استخدامه ، والشجاعة وحدها لا تكفي إذا كانت بلا عقل ، فالإنسان قد يكون شديد الجرأة ، لكنه يندفع إلى الخطأ ؛ وقد يكون شديد الذكاء ، لكنه لا يملك الشجاعة الكافية لتحويل معرفته إلى موقف ، فالشجاعة الحقيقية تقع في المنطقة الفاصلة بين الاثنين : أن تعرف ، ثم أن تمتلك الجرأة على التصرف وفق ما عرفت ، وهذا المعنى يقترب من إحدى الطبقات المهمة في رواية «الشارة الحمراء للشجاعة» لستيفن كرين ، فالشجاعة في الرواية ليست صورة بطولية ثابتة ، ولا صفة مكتملة يحملها الإنسان منذ البداية ، وإنما هي صراع داخلي بين الخوف والرغبة في إثبات الذات ، الإنسان قد يخاف ، وقد يتردد ، وقد يفكر في الهرب ، ثم يكتشف في لحظة الاختبار أن الشجاعة ليست غياب الخوف ، وإنما القدرة على اتخاذ القرار رغم وجوده ، وهذا ما يجعل الشجاعة مختلفة تماماً عن التهور ، فالمتهور لا يحتاج إلى كثير من التفكير ؛ إنه يندفع ، أما الشجاع فيعرف أن هناك ثمناً محتملاً لقراره ، ومع ذلك يقرر أن يتحمل مسؤوليته ، ولهذا فإن الشجاعة ، كلما ارتبطت بالعقل ، تتحول من مجرد صفة شخصية إلى مسؤولية عامة ، فالإنسان الذي يفكر بحرية لا يستطيع أن يتذرع دائماً بأن الآخرين هم الذين قادوه ، ومن يمتلك عقله يمتلك ، في الوقت نفسه ، مسؤولية استخدامه ، وكلما ارتفعت قيمة العقل لدى الإنسان ، أصبح أكثر مسؤولية عن قراراته ، وأقل استعداداً لإلقاء نتائجها على الآخرين ، وهنا تصبح الحرية شيئاً ثقيلاً ، فالحرية ليست امتيازاً مريحاً كما نتصورها أحياناً ؛ إنها عبء أيضاً ، لأن الإنسان الحر لا يستطيع أن يقول دائماً: «هكذا قالوا لي»، أو «الجميع فعلوا ذلك»، أو «لم يكن أمامي خيار» ، فالحرية تعني أن لديك خياراً ، وأن عليك أن تتحمل مسؤولية اختيارك ، ولذلك فإن أخطر أشكال التبعية ليست تلك التىّ تُفرض بالقوة ، وإنما تلك التىّ يقبلها الإنسان طوعاً لأنه وجد فيها راحة من مسؤولية التفكير ، قد يكون من الأسهل أن يفكر الآخر عنك ، وأن يحدد لك من تحب ومن تكره ، ومن تثق به ومن تعاديه ، وما الذي ينبغي أن تعتبره انتصاراً وما الذي ينبغي أن تراه هزيمة ، عندها يصبح الإنسان مرتاحاً من عبء القرار ، لكنه يدفع مقابل ذلك جزءاً من استقلاله ، فلا حرية دون تحمّل المسؤولية ، إلا للطفل ؛ فأغلب الناس يمضون حياتهم وهم يقاتلون من أجل العودة إلى طفولتهم .
ومن هنا أيضاً يمكن فهم الصداقة والعلاقات الإنسانية بصورة أعمق ، فليس الخطأ أن يعرف الإنسان أشخاصاً مختلفين عنه ، بل إن تنوع العلاقات جزء طبيعي من الحياة ، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الإنسان إلى تابع دائم لعقل الآخرين ، ثم يبحث عن مبررات لهذا التنازل ، قد يبدأ الأمر بصديق ، ثم بمجموعة ، ثم بمحيط اجتماعي كامل ، إلى أن يصبح الإنسان غير قادر على تصور نفسه خارج الأفكار التىّ ورثها عن الآخرين ، والأخطر أن الإنسان قد يبدأ بعد ذلك في الدفاع عن هذا الوضع ، يقول إن هؤلاء يفهمون الحياة أكثر منه ، وإنهم أقدر على اتخاذ القرار ، وإن الظروف لم تمنحه فرصته ، وإن فشله ليس مسؤوليته ، وإن الآخرين هم الذين خذلوه ، ومع الوقت ، يصبح العجز فلسفة ، ويصبح التراجع مبرراً ، ويصبح الانحطاط أمراً طبيعياً ، بل قد يجري تقديمه باعتباره شكلاً من أشكال الحرية ، لكن الحرية لا تعني أن نبرر لأنفسنا كل شيء ، فالحرية تعني أن نملك القدرة على مراجعة أنفسنا أيضاً ، فالإنسان الذي يرفض القطيع لمجرد أنه يريد أن يكون مختلفاً ليس بالضرورة حراً ، والذي يعارض الجميع لمجرد المعارضة ليس بالضرورة شجاعاً ، والذي يمتلك عشرات الحجج لتبرير أخطائه ليس بالضرورة ذكياً ، الحرية أن تفكر ، والشجاعة أن تتحمل نتيجة تفكيرك ، والذكاء أن تعرف متى تتقدم ومتى تتراجع ، أما القيادة ، فهي أن تجعل الآخرين يثقون بقرارك من دون أن تطلب منهم التخلي عن عقولهم ، وهنا أعود إلى ذلك الحصان ، ربما لم يكن يعرف أنه قاد الآخرين ، وربما لم يكن قد قرر أن يكون قائداً ، كل ما فعله أنه خفف سرعته ، لكن الآخرين منحوا فعله معنى ، ثم تبعوه ، ومن المفارقات أن القيادة قد تبدأ أحياناً من فعل لا يبدو بطولياً على الإطلاق ، قد تبدأ من شخص يرفض أن يركض لمجرد أن الآخرين يركضون .
قد تبدأ من رجل يسأل سؤالاً لا يريد أحد سماعه ، وقد تبدأ من شخص يقول : توقفوا لحظة ، إلى أين نحن ذاهبون؟ ، هذه ، في النهاية ، هي المسافة الفاصلة بين الإنسان الحر والتابع ، فالحر لا يحتاج دائماً إلى أن يكون في المقدمة ، لكنه يحتاج إلى أن يعرف لماذا يسير ، ولا يشترط أن يكون الأقوى ، لكنه يعرف كيف يستخدم قوته ، ولا يشترط أن يكون الأسرع ، لكنه يعرف متى يركض ومتى يتوقف .
ولذلك ، ربما لم يكن الدرس الحقيقي الذي تعلمته من الخيل هو كيف يصبح الجسد قوياً ، بل كيف يمكن للقوة أن تخضع للعقل ، وكيف يمكن للعقل أن يستدعي الشجاعة ، وكيف يمكن للشجاعة أن تتحول إلى مسؤولية ، وكيف يمكن للمسؤولية أن تصبح أساساً للحرية .

فليس القائد دائماً من يركض أمام الآخرين ، وليس الشجاع من يخلو قلبه من الخوف ؛ أحياناً يكون الشجاع هو ذلك الذي يملك من الوعي ما يكفي لكي يتوقف ، ومن العقل ما يكفي لكي يسأل ، ومن الجرأة ما يكفي لكي يختار طريقه ، حتى لو واصل الجميع الركض في الاتجاه الآخر … والسلام

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *