حسان ديب :
المؤلم في المشهد السوري هو الصمت الشعبي والعام في أوساط الجمهور الإسلامي السني السوري حيال ما يشهده من قـتل وشيطنة للإسلام تحدث يومياً أمام عينيه. فالشريحة الأكبر من الجمهور المسلم السوري ما زالت إما تتمسك بتفاؤلٍ وهمي، لا أرضية ولا مقومات له، بتلك السلطة البديلة، أو أنها تصمت حيال ارتكابات تلك الإدارة وتشويهها الواضح للدين الإسلامي لمجرَّدِ أنَّ الحاكمين الجُدُد هم من الطائفة السنية.
يغلب عـند بعض السوريين، انطباعٌ أنِّ ما تعمل عليه إدارة البلد المؤقتة مع فريقها القيادي وجهازها الإعلامي وجمهورها الشعبي هو فرضُ مَشروعِ تديينٍ و”أسلمةٍ” لسوريا، إن لم يكن خلق هوية سنيّة مُعيَّنة بعد سنوات من “المظلوميّة” انتهت بسقوط نظام الأسد.
مع فجرِ كلّ يوم جديد، تطالعنا أخبارُ متنوعةٌ عن مواقف وممارسات وخطابات أطلقها أو قامَ بها جمهور “الحكومة” وإدارتها، أو عن قرارات ومراسيم وتعليمات وتعميمات، تُفرض، إما بالقوة أوبالصلاحيات أو بالترهيب أو العاطفة الدينية الطوائفية أو باسم المظلومية التاريخية، على باقي شرائحِ المجتمعات السورية، وبخاصة غير الإسلامية وغير السنية وغير المُذكَّرَة (من ذكَر) أو غير المؤدلَبَة (من تجربة الكيان الذي طُبِّق في إدلب) منها.
قائمة طويلة من التعميمات الإدارية والقرارات “التنظيميّة” والمساجد في الجامعات ودعوات منع الاختلاط، ترافقها دعوات تجييشية للقتل والعنف باسم “غيرةِ الدين” و”نُصرةِ الإسلام القويم” وتهديد في الشوارع لمن يشتم “الذات الإلهية” أو لا يلتزم بما يُعتقَد أنه قواعد السلوك والمظهر “الإسلامية الحنيفة”! ولا تُخفى على أحد حملات التبشير الإسلاموية و”توزيع النقاب مجاناً”، ناهيك بقطع أرزاق الناسِ العاملين في مهن معينة (مثل المطاعم والحانات ومحلات بيع المشروبات الكحولية) بناء على تقسيم مناطقي يعود الى الحقبة العثمانية! لا ننسى أيضاً خطف النساء في الساحل السوري، وانتشار ظاهرة إدخالهن في دين الإسلام!
يحدث هذا كله في سوريا منذ نحو عامين ، فهل هو أقرب إلى مشروع أسلمَة و”تسنين” و”تديين” للبلد؟ من يمتلك معرفة علمية بتاريخ تطور التديُّن كظاهرة إنسانية يدرك تماماً أنَّ ما تشهده سوريا في الحقيقة هو مثالٌ حيٌّ عما نسميه في سوسيولوجيا الدين “شيطنة التديُّن” وبالتحديد “شيطنة الإسلام السني”.
افترضت سابقاً أنَّ أجندة عمل الإدارة الحالية، بدأت بمرحلة قـتل فكرة “الدولة” وبعدها انتقلت إلى مرحلة “قتل السياسة”، من ثم انتقلت عام 2026 إلى مرحلة قتل التعدُّد والهوية (المذابح في الساحل والسويداء والاقتتال في منطقة الجزيرة ومناطق الأكراد في حلب) لتصل إلى مرحلة “قتل المجتمع” كفكرة وككيان من خلال عملية إطلاق يدِ حاضنته الشعبية والأهلية لتطبيق ما أسميه في هذه المقال، وأشرحُ أنه، مشروعُ “شيطنة التديُّن” و”شيطنَة الإسلام السني” تحديداً، وهنا سأذكرُ نقطتين فقط من مُكّونات وعناصر قـتل التديّن التي تُطبّق كي نُـشيطنَ تياراً دينياً بعينهِ (الإسلام) أو جماعة دينية مُحددة (المجموع السني).
الخوف والترهيب
ويتجلّى أول ملامِح “قتل التديُّن” في جماعةٍ ما، في قَرن هذا التديُّن بالخوف والترهيب. فمنذ عامين يتعرَّضُ السوريون إلى موجات ترهيب تراقب حياتهم وتتدخل في شؤونهم الخاصة والشخصية، وتفرض على مجالهم العام قيوداً وأحكاماً وأوامرَ ونواهيَ باسم الدين الإسلامي وبصلاحيات ممنوحة لمن يسمون بـ”الراصدين” أو مؤثري التيك توك و”صيادي المفطرين” وغيرها من الظواهر الشعبوية القائمة على مراقبة الفضاء العام.
نلاحظ أيضاً انتشار تُجَّار دين لا يدعون الناس الى الإيمان بالدين الإسلامي، بل يقدمونه لهم على أنه الخيار الوحيد المُتاح لضمان الأمن الشخصي والنجاة والقبول ضمن المجموع العام، وأحياناً طرد الجن، كما تفعل وزارة الأوقاف التي تؤهل “الرقاة الشرعيين” أو الشفاء بالتعويذات والرقى التي باتت تحظى بشهادةِ من كلية الطب في الجامعة.
ومن اللافـت أنَّ هذه الإجراءات لا تُمارس فـقط على أتباع الجَماعات غـير المُسلمة، بل وكذلك على أهل السُنة من السوريين الذين بات اسمهم الشعبي الحركي “سِني كيوت”. وما هذا، في التحليل السوسيولوجي، سوى دفع للجمهور العام إلى تطوير مشاعر رفض وأنَـفَة تجاه الدين الإسلامي بسببِ تحويله إلى مصدر للخوف والرُعـب.
يعني هذا أنَّ سوريا لم تخرج من فضاء الخوف الذي اعتاده السوريون والسوريات. الفرق هو في مضمون الخوف ومصدره: الخوف الأيديولوجي والسياسي تحوّل اليوم إلى خوف ديني ودوغمائي؛ وباتت سياسة شيطنَة كل ما هو غير بعثي تتمظهر اليوم في سياسة شيطنة كل ما هو غير سني، ولكن أيضاً كل ما هو من غير “بني أمية” أو كل ما هو “سني كيوت”.
الدين كمشاع وسلعة!
أما الملمح الثاني لسياسة “قتل التديُّن” و”شيطنَة الإسلام السني” فهو جعلُ الدين والتنظير حوله مَشاعاً وسُلعَةً وأداةَ هيمنةٍ شعبيةٍ بيدِ العامةِ الذين يجهلون بالدين والتديُّن ولا يعرفونهما علمياً. في منطق سوسيولوجيا الدين، حين يتحدث الجميع في الدين لا يعود هناك فكر ديني، في الحقيقة، بل مُجرد ممارسات دينية موازية للفكر الديني (parallel habitus).
حين يصبح “الدين”مُتاحاً ومتوافراً ولعبةً بيد الجميع يفقد قيمته ونوعيته ولا يعود الناس يكترثون لوجوده، وهذا بالضبط بداية زوال التديُّن والإسلام من بنية المجتمع السوري من خلال استبداله ببضاعة جهل منفلتة مُتاحة وممارسة بشكلٍ شعبي ويومي، الأمر الذي يُدخل الماهية الإسلامية في منطقة من الغموض والرمادية والتشويش التي تجعل الناس تَـقرنُ هذا “الإسلام” أنطولوجياً بالجهل والظلامية التي يرونها في سلوكيات وممارسات وخطابات وارتكابات الغوغاء العامة، تلك التي تعتبر نفسها الآن المرجع المُقرر والصوت الحاسم في نشر الدين المُصطنَع وحراسة تطبيقهِ والسهرِ على فرضهِ على الناس بالقوةِ.
إقرأوا أيضاً:


