سعد الدين البزرة:
الى القائمين على الحكم في سورية.
يشهد الشمال السوري في الآونة الأخيرة تحولات لافتة في إعادة توزيع القيادات العسكرية، بعد أن كانت بعض الشخصيات تمثل مراكز نفوذ ميدانية شبه مستقلة. ورغم ما قد يحيط بهذه الخطوات من جدل، إلا أنها تمثل مبدئياً مؤشراً إيجابياً نشكر الحكم الانتقالي عليه، نحو الانتقال من مرحلة “أمراء الحرب” إلى بناء مؤسسة عسكرية حرفية مهنية وطنية أكثر انضباطاً واحترافاً.
لقد كانت الولاءات الشخصية والفصائلية من أبرز معوقات قيام جيش وطني موحد، حيث أدى تعدد مراكز القرار العسكري إلى إضعاف مفهوم الدولة وترسيخ نفوذ محلي على حساب المؤسسة. وعليه، فإن تفكيك هذه البنى وإعادة دمجها ضمن تسلسل قيادي واضح يعد خطوة في الاتجاه الصحيح، شريطة أن يكون ذلك ضمن مشروع وطني حقيقي لبناء جيش مهني، لا مجرد إعادة توزيع للنفوذ.
غير أن هذا المسار لا يمكن فصله عن الإطار السياسي والدستوري. وهنا تبرز إشكالية تركّز الصلاحيات في يد السلطة التنفيذية، حيث إن منح صلاحيات شبه مطلقة لرئيس الدولة كما نص عليها الإعلان الدستوري يثير تساؤلات جدية حول التوازن بين السلطات ( للأسف)، ويضعف أسس المشاركة والرقابة.
كما أن طريقة تشكيل مجلس الشعب الركيكة او الغريبة تطرح إشكالاً في التمثيل، إذ يفقد المجلس جزءاً من شرعيته عندما يُنظر إليه كامتداد للسلطة التنفيذية لا كمعبّر حقيقي عن إرادة المجتمع، وهو ما ينعكس سلباً على ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، وهذا ما لا نريده.
أما المحكمة الدستورية، فإن استقلالها شرط أساسي لدولة القانون، وأي ارتباط مباشر لها بالسلطة التنفيذية يفرغ دورها الشرعي الحقيقي من مضمونه، مما يستدعي إعادة النظر في آليات تشكيلها وصلاحياتها بالسرعة الممكنة.
تبقى مسألة صياغة الدستور هي التحدي الأهم، بوصفه العقد الاجتماعي الناظم للدولة. لذلك، فإن صياغته يجب أن تتم عبر هيئة تأسيسية منتخبة تمثل جميع مكونات الشعب السوري، لا من خلال التعيين أو الإقصاء قطعا. فالدستور الذي لا ينبثق من إرادة عامة حقيقية يبقى عرضة للفشل ولا يمثل كل الشعب السوري.
إن سوريا اليوم أمام مفترق طرق: إما إعادة إنتاج السلطة بأشكال جديدة بإمرة القادة الجدد، أو التوجه نحو دولة مؤسسات قائمة على المهنية والتمثيل والتوازن الصحيح، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر تلازم إصلاح المؤسسة العسكرية مع بناء نظام دستوري عادل، يضمن الشرعية والاستقرار لسورية وكل أجيالها ومواطنيها.
