الفاعل الحقيقي – النقد بين أخلاق الحقيقة وسيكولوجيا الحسد …

مروان صباح:
oct,10,2026
الحقيقة بين #نيتشه و #سقراط تابع الحساب ليصلك الإشعار بكل إضافة.    في كل حقبة تاريخية كانت البشرية تميل إلى محاكمة النتائج أكثر من بحثها عن الأسباب ، وإلى ملاحقة الوجوه الظاهرة أكثر من مساءلة القوى التىّ تحركها من وراء الستار ، فالعين البشرية بطبيعتها تستقر على المشهد الأخير ، بينما يظل المشهد الأول ، الذي بدأت عنده الحكاية ، بعيدًا عن دائرة الانتباه ، ولهذا ، لم يكن أخطر ما يواجه الحقيقة هو الكذب الصريح ، بل الاكتفاء بأنصاف الحقائق ؛ لأنها تمنح الإنسان شعورًا زائفًا بأنه فهم الواقع ، في حين أنه لم يرَ سوى سطحه ، من هنا تبدأ وظيفة الناقد الحقيقي ، فهو لا يكتفي بوصف الحدث أو إصدار الأحكام الأخلاقية عليه ، وإنما يتعامل مع الوقائع بوصفها نتائج لسلسلة طويلة من الأسباب المتشابكة ، لذلك ، فإن النقد ليس مهارة لغوية ، ولا قدرة على الجدل ، ولا ترفًا ثقافيًا ، بل هو مسؤولية معرفية وأخلاقية تقتضي عقلًا يجمع بين التحقيق التاريخي ، والتحليل الفلسفي ، ودقة المؤرخ ، وصبر الباحث ، ووعي المترجم الذي يدرك أن المعنى قد يضيع إذا انتُزع من سياقه ، واعتراف من قبل الاكاديمين على تاريخ صدقه ونزاهته وأخلاقه ، ولهذا السبب ، فإن الناقد لا يبحث عن المذنب بقدر ما يبحث عن الفاعل الحقيقي ؛ ذلك الذي يصنع الظروف قبل أن يصنع الأحداث ، ويؤسس للأفكار قبل أن تتحول إلى مواقف وسياسات ، فالفاعل الحقيقي لا يكون دائمًا شخصًا بعينه ، بل قد يكون منظومة فكرية ، أو ثقافة سائدة ، أو خطابًا سياسيًا ، أو خوفًا جماعيًا يتوارثه الناس حتى يصبح جزءًا من وعيهم ، وما لم يصل النقد إلى هذه الطبقة العميقة ، فإنه يبقى أسير الظواهر ، يعالج الأعراض ويترك المرض يتجدد في كل جيل ، هذه الرؤية تفسر لماذا ظل كبار المفكرين عبر التاريخ أقل اهتمامًا بإرضاء الجمهور وتحديداً الخرابيش منهم ، وأكثر اهتمامًا بإرضاء ضمائرهم العلمية ، فلم يكن سقراط يبحث عن الشعبية ، ولم يكتب ابن خلدون مقدمته ليكسب تصفيق معاصريه ، ولم يتحمل جاليليو العزلة لأنه كان ينتظر اعتذارًا من زمنه ، لقد كانوا يدركون أن الحقيقة كثيرًا ما تبدأ غريبة ، وأن الاعتراف بها يأتي متأخرًا ، بعد أن تتغير موازين المعرفة لا موازين التصويت ، فالاعترافُ يُنتزع من أهل العلم والنقد ، لا من أولئك الذين لم يحصدوا سوى الثرثرة ، ولم يتركوا وراءهم إلا سجلًا من الإخفاقات .
وليس المقصود من ذلك التقليل من شأن الناس أو ازدراء الرأي العام ، فالمجتمعات هي التىّ تصنع الحضارات ، لكنها ، في الوقت ذاته ، قادرة على أن تتحول إلى بيئة طاردة للعقل حين تتوقف عن ممارسة فضيلة الشك ، وتستبدل السؤال بالتسليم ، والمراجعة بالتقليد ، وعندما يحدث ذلك ، تصبح الأغلبية معيارًا للحقيقة ، مع أن التاريخ يبرهن ، مرة بعد أخرى ، أن الحقيقة لم تكن يومًا رهينة العدد ، وإنما رهينة الدليل ، ولعل هذه هي النقطة التىّ قصدها الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه عندما تحدث عن «أخلاق القطيع» ، فقد كان ينتقد ، في أحد وجوه فلسفته ، ميل الإنسان إلى الاحتماء بالجماعة بدلًا من تحمل مسؤولية التفكير الفردي ، ورغم الجدل الواسع حول أفكاره ، فإن ملاحظته بشأن قابلية الجماعات لمعاقبة المختلف ما زالت تحتفظ بقدر كبير من الوجاهة ؛ إذ كثيرًا ما يتحول الرأي الشائع إلى سلطة رمزية ، لا لأنه أكثر صدقًا ، بل لأنه أكثر انتشارًا ، ولا يقتصر هذا الأمر على المجتمعات التقليدية ، بل يظهر أيضًا في المجتمعات الحديثة ، حيث أصبحت وسائل الاتصال قادرة على صناعة إجماع سريع حول فكرة ما ، ثم تحويل هذا الإجماع إلى محكمة أخلاقية تُصدر أحكامها قبل أن تكتمل الأدلة ، وهنا يفقد النقد وظيفته الأساسية ، لأن النقاش لا يعود قائمًا على البحث عن الحقيقة ، بل على البحث عن التأييد .
غير أن السؤال الأكثر أهمية لا يتعلق بطريقة تفكير الجماعة، وإنما بطريقة تفكير الإنسان في ذاته ، لماذا يطمئن الفرد إلى قناعاته إلى هذا الحد؟ ولماذا يميل إلى الاعتقاد بأن ما يراه خيرًا هو الخير ذاته؟ وهل يكمن أصل الصراع السياسي في اختلاف المصالح فقط ، أم أن جذوره تمتد إلى تصور الإنسان لمعنى الخير والشر؟ ، هذه الأسئلة ليست ترفًا فلسفيًا ، بل هي المدخل الضروري لفهم كثير من التحولات السياسية والاجتماعية ، فالسلطة لا تُبنى بالقوة وحدها ، وإنما تُبنى أولًا على منظومة أخلاقية تمنحها شرعيتها ، سواء كانت هذه الشرعية حقيقية أم متخيلة ، وعندما يقتنع الإنسان بأنه يحتكر الخير ، يصبح من السهل عليه أن يصنف مخالفيه في خانة الشر ، ومن ثم تتحول السياسة من إدارة للاختلاف إلى معركة وجودية ، لا ترى في الخصم منافسًا ، بل خطرًا ينبغي استئصاله ، وهنا تبدأ المعضلة الكبرى ؛ لأن الادعاء بامتلاك الخير المطلق لا يقتل السياسة وحدها ، بل يقتل الأخلاق أيضًا ، فالأخلاق لا تنشأ من اليقين المطلق ، وإنما من إدراك الإنسان أنه كائن محدود ، وأن الحقيقة أوسع من تجربته الشخصية ، وأن الخير لا يكتمل إلا بقدرته على مراجعة نفسه قبل محاكمة الآخرين ، ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ الخيط الذي يربط النقد بالفلسفة ، والفلسفة بالسياسة ، والسياسة بالنفس الإنسانية ؛ إذ إن كل سلطة تبدأ بفكرة ، وكل فكرة تبدأ بتصور أخلاقي ، وكل تصور أخلاقي يولد أولًا في داخل الإنسان ، قبل أن يتحول إلى قانون أو خطاب أو نظام حكم .
يكاد يكون الاتفاق على قيمة الخير من أوسع نقاط الإجماع بين البشر ، فلا يكاد يوجد إنسان يعلن انحيازه إلى الشر بوصفه مبدأً أخلاقيًا ، غير أن هذا الاتفاق ينهار بمجرد الانتقال من مستوى التجريد إلى مستوى الممارسة ؛ إذ يبدأ كل فرد ، وكل جماعة ، وكل أيديولوجيا ، في صياغة تعريفها الخاص للخير ، ثم تتعامل معه وكأنه الحقيقة النهائية التىّ لا تقبل المراجعة ، وهنا يكمن أحد أكثر التناقضات حضورًا في التاريخ الإنساني ؛ فالإنسان لا يرتكب أكثر أفعاله قسوة لأنه يؤمن بالشر ، بل لأنه يعتقد ، في كثير من الأحيان ، أنه يحتكر الخير ، وما إن يتحول هذا الاعتقاد إلى يقين مغلق حتى يصبح الاختلاف تهديدًا ، وتغدو المعارضة خطيئة ، ويصبح القضاء على الخصم واجبًا أخلاقيًا لا جريمة سياسية ، ولهذا، فإن أخطر أشكال التطرف ليست تلك التىّ تُرفع فيها الشعارات الصاخبة ، بل تلك التىّ تتخفى خلف لغة الفضيلة ، فحين يحتكر طرف ما تعريف الخير ، فإنه يسلب الآخرين حقهم في تأويله ، ويمنح نفسه ، ضمنًا ، حق إصدار الأحكام النهائية عليهم ، وعند هذه النقطة ، لا يعود الصراع سياسيًا أو فكريًا ، بل يتحول إلى صراع بين «المخلِّص» و«المدان»، وبين من يرى نفسه ممثلًا للحقيقة ومن يُنظر إليه بوصفه عائقًا أمامها ، ولقد أدرك الفيلسوف اليوناني أرسطو أن الفضيلة ليست حالة مطلقة ، بل ممارسة تقوم على الاعتدال والحكمة ، وأن الإنسان يبلغها بالموازنة بين الإفراط والتفريط ، أما عندما تُنزَع الفضيلة من سياقها الإنساني وتُقدَّم باعتبارها كمالًا مكتملًا ، فإنها تفقد طبيعتها الأخلاقية ، وتتحول إلى أداة للهيمنة ، ومن هنا، فإن ادعاء امتلاك الخير المطلق ليس تعبيرًا عن قوة أخلاقية ، بل عن عجز عن الاعتراف بحدود الذات ، والسياسة تقدم أمثلة لا حصر لها على هذه المفارقة ، فما من سلطة استبدادية ، قديمة كانت أم حديثة ، إلا وقد قدمت نفسها باعتبارها الحارس الوحيد للمصلحة العامة ، والناطق الرسمي باسم الخير الوطني أو الديني أو القومي ، ولم تكن المشكلة في الشعارات ذاتها ، بل في إقصاء كل تفسير آخر لها ، حتى غدا الاختلاف خيانة ، والنقد مؤامرة ، والتعددية خطرًا ينبغي القضاء عليه ، ومن هنا ، فإن العلاقة بين الأخلاق والسياسة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه ، فالسياسة ليست مجرد إدارة للمصالح ، وإنما هي إدارة للتصورات الأخلاقية أيضًا ، وكلما ضاق تعريف الخير ، اتسعت مساحة العنف ؛ لأن من يعتقد أنه يحتكر الفضيلة لن يجد صعوبة في تبرير إقصاء المختلف ، بل قد يرى في ذلك واجبًا أخلاقيًا ، ولعل هذا ما يفسر أن الحضارات لم تنهَر دائمًا بسبب ضعفها العسكري أو الاقتصادي ، بل بسبب يقينها المفرط بنفسها ، تماماً كما الجاهل يبالغ في تقدير نفسه ، حتى يبلغ به الغرور أن يتجرأ على تقييم أشخاص يمتلكون قيمة معرفية حقيقية ، فحين تتوقف أمة عن مراجعة مسلماتها ، وتتعامل مع تاريخها بوصفه نهاية التاريخ ، تكون قد بدأت ، من حيث لا تشعر، رحلة الانحدار ، فالمراجعة ليست اعترافًا بالهزيمة ، بل شرطًا من شروط البقاء ؛ لأن الأفكار ، مثل الكائنات الحية ، تموت إذا توقفت عن التطور .
ومن زاوية أخرى ، يبرز سؤال يبدو بسيطًا ، لكنه يحمل دلالة فلسفية عميقة : هل يستطيع الإنسان أن يتحرر من ثنائية الخير والشر؟لقد انشغل الفلاسفة بهذا السؤال ، كلٌّ من موقعه ، لقد تحدثوا عن الفناء بوصفه تجاوزًا للأنا ، لا إلغاءً للأخلاق ، بينما ناقش اخرون حدود المعرفة الإنسانية ، محذرين من تحويل التجربة الفردية إلى قانون كوني ، وفي الحالتين ، بقي الإنسان كائنًا محدودًا ، لا يملك أن يدعي الإحاطة المطلقة بالحقيقة ، ومن هنا ، فإن الفناء في الخير لا يعني امتلاك الخير ، بل يعني التحرر من عبودية الأنا التىّ تجعل الإنسان يقيس العالم على صورته ، أما ادعاء بلوغ الكمال الأخلاقي أو المعرفي ، فهو في كثير من الأحيان بداية الانزلاق نحو التعصب ؛ لأن الإنسان ، عندما يتوقف عن نقد نفسه ، يبدأ تلقائيًا في محاكمة الآخرين أو عندما يدّعي الجاهلُ الإلمامَ بعلوم النقد، فينصّب نفسه حكمًا على من يفوقه علمًا ومعرفة، غير مدركٍ أن أول شروط النقد الفهمُ قبل إصدار الأحكام .
ولعل من اللافت أن التقدم العلمي ، على عظمته ، لم يغيّر هذه الحقيقة ، فقد استطاع الإنسان أن يغادر الغلاف الجوي ، وأن يرسل مركباته إلى الكواكب البعيدة ، لكنه حمل معه الأسئلة ذاتها التىّ حملها أسلافه وهم ينظرون إلى السماء من فوق الأرض ، فالمكان يتغير ، أما الطبيعة الإنسانية فلا تتغير بالسرعة نفسها ، إن التقنية تستطيع أن توسع حدود المعرفة ، لكنها لا تمنح الإنسان حصانة أخلاقية ، ولا تعفيه من صراعه الدائم مع ذاته ، وهذا يقودنا إلى سؤال آخر أكثر التصاقًا بواقع المجتمعات : إذا كان الإنسان لا يحتمل بسهولة من يختلف معه في الرأي ، فكيف يتعامل مع من يتفوق عليه في العلم ، أو الموهبة ، أو المكانة ، أو الحضور؟ وهل يكون الخلاف هنا فكريًا حقًا، أم أن جذوره تمتد إلى منطقة أكثر خفاءً في النفس ، حيث يتشكل الحسد بوصفه أحد أكثر الانفعالات قدرة على التنكر في هيئة الأخلاق؟ ، هنا ينتقل النقاش من فلسفة الخير والشر إلى سيكولوجيا الحسد ؛ لأن كثيرًا من المعارك التىّ تبدو فكرية في ظاهرها ، ليست في حقيقتها سوى صراعات نفسية تبحث عن مبررات أخلاقية لتخفي دوافعها الحقيقية ، فإذا كان ادعاء امتلاك الخير المطلق يقود إلى تضييق مساحة الاختلاف ، فإن الحسد يمثل الوجه النفسي لهذا الادعاء ، فليس كل خلاف فكري نابعًا من اختلاف في المبادئ ، كما أن ليس كل نقد يستند إلى رغبة صادقة في تقويم الأفكار ، فكثير من الخصومات التىّ تتخذ من الأخلاق أو السياسة أو الدين عناوين لها ، تخفي في أعماقها صراعًا أكثر بدائية ، يتمثل في عجز الإنسان عن تقبل تفوق غيره ، والحسد ، في معناه النفسي ، لا يبدأ بالرغبة في امتلاك ما لدى الآخر ، بل يبدأ بالشعور بأن وجود ذلك الآخر يكشف نقصًا داخليًا لم يكن صاحبه مستعدًا للاعتراف به ، ولهذا يتحول المتميز ، في نظر الحاسد ، إلى مرآة مزعجة ، لا لأنها تعكس صورته ، بل لأنها تعكس ما يفتقده ، ومن هنا تتبدل طبيعة الصراع ؛ إذ لا يعود الهدف منافسة المتفوق ، بل إبطال قيمة تفوقه ، أو التشكيك في نزاهته ، أو تحطيم صورته أمام الآخرين ، ولهذا السبب ، فإن الحسد نادرًا ما يعلن نفسه بصراحة ، إنه يرتدي أقنعة متعددة ؛ فقد يظهر في صورة نقد متشدد ، أو غيرة على المبادئ ، أو دفاع عن الأخلاق ، أو حرص على المصلحة العامة ، غير أن الفارق بين النقد والحسد يبقى واضحًا ؛ فالنقد يناقش الفكرة ويقبل البرهان ، أما الحسد فيبحث عن إسقاط صاحب الفكرة ، حتى لو ثبتت صحة ما يقول ، لقد أشار الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور إلى أن الحسد من أكثر الانفعالات الإنسانية التصاقًا بالمقارنة الاجتماعية ، لأنه لا ينشأ من الفقر وحده ، بل من رؤية نعمة يتمتع بها الآخر ، فالسعادة، في نظر الحاسد ، لا تُقاس بما يملكه هو، وإنما بما يملكه غيره ، ومن هنا يصبح نجاح الآخرين عبئًا نفسيًا عليه ، لا لأنه يضره مباشرة ، بل لأنه يوقظه على ما عجز عن تحقيقه ، ولعل الأدب كان أكثر قدرة من الفلسفة على تصوير هذه المنطقة المعقدة من النفس ، ففي رواية «مهنة الشر» لا يُقدَّم الشر بوصفه قوة غامضة أو ميلًا فطريًا منفصلًا عن التجربة الإنسانية ، بل بوصفه حصيلة تراكم طويل من الضغائن ، والإهانات ، والاختلالات النفسية التىّ تتحول ، مع الزمن ، إلى رغبة عارمة في السيطرة والانتقام ، وتُظهر الرواية كيف يمكن للماضي غير المعالج أن يصنع حاضرًا مشوهًا ، وكيف تتحول الكراهية إلى عدسة يرى الإنسان من خلالها العالم كله ، واللافت في هذا النموذج الأدبي أن الشر لا يظهر دائمًا في صورة العنف المباشر ، بل يبدأ بإلغاء إنسانية الآخر ، فعندما يتوقف الإنسان عن رؤية خصمه بوصفه إنسانًا له حق الوجود والاختلاف ، يصبح الاعتداء عليه ، معنويًا أو ماديًا ، أسهل بكثير ، وهذه ليست مجرد حيلة روائية ، بل آلية عرفها التاريخ السياسي مرارًا ؛ إذ تبدأ حملات الإقصاء غالبًا بتجريد الخصوم من قيمتهم الأخلاقية ، ثم تنتهي بتبرير استبعادهم أو تشويههم .
ومن هنا، فإن المجتمعات التىّ تعجز عن حماية التميز لا تعاني أزمة في الكفاءات ، بل أزمة في الثقافة التىّ تتعامل مع التفوق بوصفه تهديدًا لا فرصة ، فالعقل المبدع يزعج البيئات الجامدة ، لأنه يكسر يقينها ، ويكشف حدود مسلماتها ، ويطرح أسئلة لم تكن راغبة في سماعها ، ولذلك، كثيرًا ما يكون الثمن الأول للإبداع هو العزلة ، لا الاحتفاء ، ولا يقتصر الأمر على المجال الفكري ، ففي السياسة أيضًا ، كثيرًا ما تتحول الشخصيات المؤثرة إلى أهداف لحملات التشويه ، ليس بسبب أخطائها وحدها ، بل بسبب قدرتها على التأثير ، فالتاريخ يعلمنا أن الشخصية العامة قد تُهاجَم أحيانًا لأنها أخفقت ، لكنها تُهاجَم ، في أحيان أخرى ، لأنها نجحت ، وفي الحالة الثانية لا يكون الهدف تصحيح المسار ، بل تقليص أثر النجاح حتى لا يتحول إلى معيار يقاس عليه الآخرون ، وهنا يفقد الحسد صفته الفردية ، ويتحول إلى ظاهرة اجتماعية ، فهو لم يعد مجرد انفعال يسكن نفسًا واحدة ، بل يصبح ثقافة تنتشر في المؤسسات ، والإعلام ، وحتى في الخطاب العام ، وعندما تبلغ المجتمعات هذه المرحلة ، تصبح الكفاءة مدعاة للريبة ، والتميز سببًا للاتهام ، والاستقلال الفكري تهمة تستوجب الدفاع عنها بدلًا من الاحتفاء بها ، فإن أخطر ما يفعله الحسد أنه لا يكتفي بإيذاء الأفراد ، بل يعيد تشكيل معايير المجتمع ، فعندما يعتاد الناس رؤية المتميز موضعًا للشك ، يصبح المتوسط هو النموذج الآمن ، ويتحول الاجتهاد إلى مخاطرة ، ويغدو الصمت أكثر ربحًا من التفكير ، وهنا تبدأ خسارة المجتمع الحقيقية ؛ لأنه لا يفقد أشخاصًا بعينهم ، بل يفقد المناخ الذي يسمح بولادة الأفكار الجديدة ، ولذلك، فإن حماية المبدعين والمفكرين ليست امتيازًا تمنحه المجتمعات للنخبة ، بل هي استثمار في مستقبلها ، فالأمم التىّ تستهلك طاقاتها في محاربة أصحاب الكفاءة تنتهي ، ولو بعد حين ، إلى إعادة إنتاج الضعف ذاته الذي كانت تظن أنها تدافع عنه ، فالحضارات لا تنهار حين يقل عدد الأذكياء ، وإنما حين يصبح الذكاء نفسه سببًا للاتهام ، ويصبح النجاح ذريعة للعداء ، ومن هنا، لا يعود السؤال : لماذا يحسد بعض الناس المتميزين؟ بل يصبح السؤال الأعمق : كيف يتحول الحسد الفردي إلى ثقافة عامة تُعيد تعريف الفضيلة ، بحيث يبدو إسقاط الناجح عملًا أخلاقيًا ، بينما يُنظر إلى النجاح نفسه بعين الشبهة؟ والإجابة عن هذا السؤال تقودنا مباشرة إلى العلاقة بين السلطة والخطاب العام ، وهي العلاقة التىّ تكشف كيف تستطيع السياسة أن تستثمر الانفعالات النفسية ، فتحولها إلى أدوات لإعادة تشكيل الوعي الجمعي .
تتردد حكمة قديمة تقول : «الحاسد يراك مغرورًا ، بينما يراك المحب جديرًا بالإعجاب» ، وهي ليست مجرد عبارة تتعلق بالعلاقات الإنسانية ، بل مفتاح لفهم كثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية ، فالإنسان لا يرى الآخر كما هو دائمًا ، بل كما تسمح له بنيته النفسية أن يراه ، ومن هنا ، فإن التقدير والعداء لا ينبعان بالضرورة من حقيقة الشخص ، بل من طبيعة الناظر إليه ، ولهذا ، فإن المجتمعات التىّ تعجز عن الاحتفاء بالتميز تنزلق ، من حيث لا تشعر ، إلى إعادة إنتاج الرداءة ، فبدل أن يصبح التفوق معيارًا يُحتذى ، يتحول إلى تهمة تستدعي الشك ، ويغدو النجاح سببًا للمحاكمة بدلًا من أن يكون دافعًا للإلهام ، ويعاد تشكيل السلم القيمي للمجتمع ، والسياسة ليست بمنأى عن هذه الآلية النفسية ، بل كثيرًا ما تستثمرها ، فالسلطات التىّ تعجز عن إنتاج الإنجاز الحقيقي تجد في تأجيج الضغائن وسيلة لإعادة توزيع الخصومات ، فتُشغل المجتمع بملاحقة الأفراد بدلًا من مساءلة الأفكار ، وبمحاكمة الشخصيات بدلًا من محاسبة السياسات ، وعندئذٍ يختفي «الفاعل الحقيقي» خلف ضجيج المعارك الجانبية ، ويصبح الرأي العام أسيرًا لصراعات مصطنعة لا تمس جوهر الأزمة ، فإن أخطر الأمراض ليست تلك التىّ تصيب الجسد ، وإنما التىّ تستقر في الوعي حتى يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين النقد والتشهير ، وبين المنافسة والإقصاء ، وبين العدالة والانتقام ، فالعقل، حين يستسلم للأحقاد ، يعيد تفسير العالم كله من خلال عدسة واحدة ، فلا يرى في نجاح الآخرين إلا تهديدًا ، ولا في اختلافهم إلا مبررًا للعداء ، ولعل هذا ما يفسر أن المصلحين والمفكرين ، في مختلف العصور ، كانوا يدفعون ثمن اختلافهم قبل أن يجني الناس ثمار أفكارهم ، فكل مشروع فكري أو علمي أو حضاري يوقظ في الوقت نفسه أفضل ما في الإنسان وأسوأ ما فيه ؛ يوقظ الرغبة في التعلم لدى البعض ، ويوقظ لدى آخرين الخوف من المقارنة ، لأن التفوق الحقيقي يفرض على الجميع مراجعة ذواتهم ، وليس كل إنسان مستعدًا لخوض هذه المراجعة .

ومن هنا، فإن وظيفة الناقد لا تنتهي عند كشف الخطأ ، بل تبدأ عند كشف الآليات التىّ تجعل الخطأ قابلًا للتكرار ، فالنقد ، في جوهره ، ليس محاكمة للأشخاص ، وإنما دفاع عن العقل ، وعن حق المجتمع في أن يعرف من يصنع الأفكار قبل أن يحاسب من ينفذ نتائجها ، وعندما يبلغ المجتمع هذه الدرجة من الوعي ، لن يعود السؤال : من أخطأ؟ بل سيصبح السؤال الأهم : من صنع البيئة التىّ جعلت الخطأ ممكنًا ، ومن المستفيد من بقائه؟ هناك فقط يبدأ البحث الحقيقي عن الفاعل الحقيقي ؛ لأن الحضارات لا تتقدم بملاحقة الظلال ، بل بكشف مصادر الضوء والعتمة معًا ، ولذلك ، فإن مستقبل الأمم لا تحدده كثرة شعاراتها ، ولا ضجيج خطاباتها ، فالتاريخ لن يخلّد مَن يقضون وقتهم في مجالس الثرثرة دون إنتاج حقيقي ، ولا مَن اختاروا الوقوف على هامشه منذ صغرهم حتى مكبرهم ؛ فهؤلاء سيذكرونهم التاريخ كأرقامٍ عابرة بلا أسماء ، لكن سيخلد من لديه القدرة على حماية العقل الحر ، وصون قيمة النقد ، والتمييز بين الاختلاف الذي يثري المجتمع ، والعداء الذي يستهلكه ، بل هناك فرق بين معرفةٍ تُوظَّف لإزاحة الآخر وهزيمته والهيمنة عليه ، ومعرفةٍ أخلاقيةٍ تُنتَج من أجل فهم الآخر وتقديم العون والعلاج له ، فكل حضارة احترمت المعرفة ازدهرت ، وكل حضارة حاربت أصحابها انتهت إلى تكرار أخطائها ، مهما اختلفت أسماؤها أو تبدلت شعاراتها . والسلام  

See less

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *