وفي المقابل ، وهو محور نقاشنا اليوم ، تبدو إيران وكأنها اختارت تطبيق قاعدة «العين بالعين» ، فبعد استئناف الضربات العسكرية عليها ، وفرض حصار شامل على موانئها ، واستهداف منشآت النفط والسفن ومحطات تحلية المياه وغيرها من البنى التحتية ، في محاولة لشل الاقتصاد الإيراني ، إلى جانب فرض إجراءات تفتيش بحري على جميع السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها ، لم تتمكن الولايات المتحدة ، حتى الآن ، من منع الحرس الثوري الإيراني من فرض سيطرته على مضيق هرمز ، كما لم تستطع الحيلولة دون تفعيل الحوثيين لإجراءاتهم في مضيق باب المندب تجاه السفن التجارية ، ولا سيما ما يتعلق بفرض حصار على الموانئ السعودية ، والأخطر من ذلك ، وهو ما يندرج ضمن التصعيد العسكري المستمر ، أن صوراً التقطتها الأقمار الصناعية ، وفق ما يتم تداوله ، تشير إلى حشد عسكري للقوات الإيرانية باتجاه الحدود العراقية وتحديداً الجانب الكردستاني ، في تطور يثير كثيراً من علامات الاستفهام بشأن المرحلة المقبلة ، وفي الوقت ذاته ، تعاملت الشركات الدولية مع التهديدات الحوثية بوصفها تهديدات جدية وليست مجرد رسائل إعلامية ، إذ أبدت شركات التأمين العالمية مخاوف متزايدة من استهداف السفن التجارية ، الأمر الذي انعكس مباشرة على حركة الملاحة وأسعار التأمين البحري ، ولم يقتصر الأمر على المخاوف النظرية ، بل إن الحوثيين ، الذين التزموا قدراً من الهدوء طوال نحو عامين ، أثبتوا أن تهديداتهم لا تُطلق للاستهلاك الإعلامي ، فحين يهددون ، لا يرمون بالحجارة ، بل يستخدمون الصواريخ والطائرات المسيّرة ، وقد استهدفوا بالفعل سفينتين مملوكتين لشركات سعودية ، كانت إحداهما ناقلة نفط ، مستخدمين صواريخ كروز وطائرات مسيّرة ، في رسالة تؤكد أن أمن الملاحة البحرية بات جزءاً أساسياً من معادلة الصراع الإقليمي .
فكما يلاحق الإيرانيون وحلفاؤهم السفن التجارية في الممرات البحرية ، بات الشغل الشاغل للولايات المتحدة يتمثل في ملاحقة مخابئ اليورانيوم والمنشآت النووية الإيرانية ، وقد عُدَّت الضربات الأخيرة التىّ استهدفت جبل فأس في مدينة قم من بين أكثر الضربات دقةً وقوةً وتركيزاً ، الأمر الذي يدفع المراقب إلى طرح تساؤل منطقي: إذا كانت الولايات المتحدة قد فرضت ، كما تدّعي ، حصاراً اقتصادياً خانقاً على إيران ، فكيف أصبحت المنطقة بأكملها ، في المقابل ، تواجه شكلاً من أشكال الحصار الإيراني في الجنوب والشرق ، كما تواجهه اليوم المملكة العربية السعودية؟ ، وبعد أن خسرت إيران جزءاً مهماً من قدرتها الكهربائية ، نتيجة الضربات التىّ نفذها سلاح الجو الأمريكي ضد محطات الكهرباء ، والتىّ تُقدَّر خسائرها بنحو مليار دولار ، لم يتوقف الأمر عند حدود الأرقام الاقتصادية ، بل امتد إلى حياة المواطنين اليومية ، إذ فقدت مناطق واسعة خدمات الكهرباء وتحلية المياه ، في ظل ارتفاع شديد في درجات الحرارة ، وهنا يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت محطات الكهرباء والتحلية ومنشآت الوقود في المنطقة تُستخدم أيضاً في تغذية القواعد الأمريكية باحتياجاتها اللوجستية ، فإن استهداف البنية التحتية الإيرانية سيدفع ، بالضرورة ، الحرس الثوري الإيراني إلى اعتماد سياسة الرد بالمثل ، عبر استهداف البنية التحتية الحيوية في دول المنطقة ، وتحويلها إلى مناطق تعاني من انقطاع الكهرباء وشلل الخدمات الأساسية ، وبطبيعة الحال ، لا يمكن استبعاد إسرائيل من دائرة هذا السيناريو ، فهذه المرة ، قد يسعى الإيرانيون إلى توجيه ضربات أكبر وأكثر تأثيراً ، تستهدف البنية التحتية الإسرائيلية بصورة مباشرة ، انطلاقاً من قناعة بأن الحرب لم تعد تقتصر على استهداف المواقع العسكرية ، بل أصبحت تشمل مفاصل الاقتصاد والطاقة والمياه والاتصالات ، باعتبارها أدوات ضغط استراتيجية لا تقل أهمية عن الميدان العسكري نفسه .
وفي خضم هذا الانزلاق المتسارع نحو مزيد من التدمير في المنطقة ، يقود نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس مشروعاً سياسياً مضاداً ، لا يقتصر على السياسة الخارجية ، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي أيضاً ، فتصريحاته المتتالية لم تعد مجرد مواقف سياسية عابرة ، بل تعكس ملامح رؤية جديدة قد تعيد رسم السياسة الأمريكية تجاه الحلفاء ، وحدود التدخلات العسكرية الخارجية ، ومدى ارتباطها بالمصلحة الوطنية الأمريكية ، فالرجل لا يكرر شعارات الحزب الجمهوري حول أولوية مصالح الشعب الأمريكي على ما سواها ، بل يسعى إلى ترجمتها إلى نهج سياسي عملي ، ولعل قيادته للمسار التفاوضي مع ايران في باكستان كانت ، في نظر كثيرين ، أكبر دليل على رفضه للتيار المؤيد لإسرائيل داخل إدارة ترمب ، ذلك التيار الذي لا يهدأ ، بحسب رؤيته ، عن الدفع باتجاه توسيع دائرة الحرب ، وقد بدا التباين بين المعسكرين واضحاً من خلال الانتقادات اللاذعة التىّ وجهها فانس للحكومة الإسرائيلية ، وهي انتقادات انسجمت ، إلى حد بعيد ، مع المزاج الشعبي الأمريكي الذي بدأ يُراجع عقوداً طويلة من سياسة الدعم غير المشروط لإسرائيل ، وتزداد أهمية هذه المواقف إذا ما أخذنا في الاعتبار أن فانس يُعد من أقوى المرشحين لخلافة الرئيس ترمب في انتخابات عام 2028 ، ويحظى بدعم معتبر داخل الحزب الجمهوري ، فضلاً عن الدعم الذي يحظى به من الرئيس نفسه لقيادة مستقبل الحزب ، ومن هنا ، فإن قراءة ما يمكن تسميته بـ”عقيدة فانس” من زاوية مختلفة تكتسب أهمية خاصة ، لأنها تعكس تحولاً لم تعهده الولايات المتحدة بهذا الوضوح من قبل ، ومن المرجح أن تكون التحولات السياسية القادمة مؤلمة ، ولا سيما إذا توسعت الحرب في الشرق الأوسط ، وما قد يترتب على ذلك من انعكاسات عميقة على الاقتصاد العالمي ، ثم على الاقتصاد الأمريكي في الداخل.
وفي نهاية المطاف ، استطاع جيه دي فانس أن يرسخ حضوره وخطابه في الوعي العام الأمريكي ، تماماً كما فعل زهران ممداني ، وإن اختلفت الخلفيات الفكرية والسياسية بين الرجلين ، فكلاهما نشأ في بيئة متواضعة ، الأمر الذي منحهما قدرة مختلفة على قراءة الأزمات وتحليلها من منظور اجتماعي أقرب إلى هموم الناس ، وهذه الخلفية تمنح فانس ميزة العفوية في مخاطبة الرأي العام ، إذ تتدفق أفكاره في مسارات متعددة ، بعيداً عن التعقيد السياسي التقليدي ، وهو ما ظهر جلياً في انتقاداته لكل من أوكرانيا وإسرائيل في آنٍ واحد ، وفي المقابل ، يلتقي فانس وممداني، رغم اختلاف انتمائهما الحزبي ، عند تصور جديد لدور الدولة في المستقبل ، فبينما يرى فانس أن السياسة الخارجية الأمريكية ينبغي أن تكون أكثر وضوحاً ، وأن تقوم خفض الصراعات ، مع إعطاء الأولوية للتعاون الاقتصادي بدلاً من الانخراط العسكري المفتوح ، فإنه يدعو ، في الداخل ، إلى سياسات تمنح النقابات العمالية دوراً أوسع وأكثر تأثيراً في المجتمع الأمريكي .
وهنا تبرز رؤية تستحق التأمل ؛ إذ يبدو أن فانس يعتقد أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولات جذرية في سوق العمل الأمريكي ، بفعل الذكاء الاصطناعي والروبوتات وصعود شركات وادي السيليكون ، وهو ما قد يُحدث ثورة اقتصادية واجتماعية جديدة إذا أدرك الحزب الجمهوري أبعاد هذه المتغيرات وتعامل معها باعتبارها تحدياً استراتيجياً ، لا مجرد تطور تقني عابر …والسلام
