هل تغيّر مفهوم الأمن في سوريا؟

جمال حمور:

 
16 يوليو 2026
كاريكاتير: سوريا ومجلس الأمن | كاريكاتير | الجزيرة نتلم تكن مشاركة رئيس جهاز الأمن القومي والرئيس السابق للاستخبارات العامة السورية حسين السلامة، في مؤتمر رؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب في مقر الأمم المتحدة بنيويورك حدثاً بروتوكولياً عابراً، ولا مجرد خطوة دبلوماسية تهدف إلى كسر عزلة استمرت سنوات. فالرجل لم يذهب ممثلاً لجهاز أمني فحسب، بل حمل خطاباً أرادت دمشق من خلاله أن تعلن أن سوريا تدخل مرحلة جديدة، ليس فقط في سياستها الخارجية، بل أيضاً في تعريفها لمفهوم الأمن ودوره في بناء الدولة.

للمرة الأولى منذ عقود، يظهر الخطاب الرسمي السوري وكأنه يحاول الفصل بين أمن الدولة وأمن السلطة. فالكلمات التي ركزت على التعاون الدولي، واحترام القانون الدولي، وبناء القدرات، وربط مكافحة الإرهاب بالتنمية وإعادة الإعمار، تعكس محاولة لإعادة تقديم المؤسسة الأمنية باعتبارها إحدى أدوات بناء الدولة، لا مجرد جهاز لحماية النظام السياسي، لكن بين الخطاب والواقع مسافة لا تزال طويلة.

سوريا اليوم ليست أمام تحد أمني تقليدي يتمثل في ملاحقة تنظيمات متطرفة أو ضبط الحدود فحسب، بل تواجه تحدياً أكثر تعقيداً يتمثل في إعادة بناء الدولة نفسها بعد أكثر من عقد ونصف من الحرب والانهيار المؤسسي. فلا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد، ولا الاقتصاد عن السياسة، ولا السياسة عن الثقة الشعبية. ولهذا يبدو أن القيادة السورية الجديدة تحاول تسويق معادلة مختلفة مفادها أن التنمية أصبحت جزءاً من الأمن، وأن إعادة الإعمار تمثل خط الدفاع الأول ضد الفوضى والتطرف.

هذا التحول لا يمكن قراءته بمعزل عن الانفتاح السياسي الذي شهدته دمشق خلال الأشهر الأخيرة. فلقاءات الرئيس أحمد الشرع مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والانفتاح الخليجي المتزايد، كلها تعكس انتقال سوريا من مرحلة الدفاع عن شرعيتها إلى مرحلة البحث عن دورها في النظام الإقليمي الجديد. ويأتي الحضور الأمني في الأمم المتحدة ليكمل هذه الصورة، باعتباره رسالة بأن دمشق تريد أن تتحول من ملف أمني على أجندة المجتمع الدولي إلى شريك في إدارة الأمن الإقليمي.

غير أن الاعتراف الدولي، على أهميته، لا يصنع وحده استراتيجية أمنية ناجحة، فالدولة التي تسعى إلى استعادة مكانتها تحتاج قبل كل شيء إلى احتكار القرار الأمني داخل حدودها، وإلى مؤسسات تعمل وفق القانون، وإلى قضاء مستقل، وإدارة قادرة على مكافحة الفساد، لأن الأمن ليس مجرد قدرة على استخدام القوة، بل قدرة على إنتاج الاستقرار الذي لا يتحقق إلا عندما يشعر المواطن بأن الدولة تحمي حقوقه بقدر ما تحمي حدودها.

وفي هذا السياق، تبدو التحولات الإقليمية عاملاً ضاغطاً لا يمكن تجاهله. فتركيا تتحرك لتوسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي من سوريا إلى لبنان، والدول الخليجية تدخل بقوة إلى مشاريع الاستثمار وإعادة الإعمار، فيما تعيد واشنطن وأوروبا صياغة مقاربتهما لسوريا باعتبارها جزءاً من ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط. وكل ذلك يضع دمشق أمام فرصة تاريخية، لكنه يضعها أيضاً أمام مسؤولية مضاعفة.

الدول لا تُقاس بقدرتها على جذب الاستثمارات فقط، ولا بعدد المؤتمرات التي تشارك فيها، بل بقدرتها على تحويل هذا الانفتاح إلى مشروع وطني يعزز السيادة ويخدم المجتمع. وإذا كان الأمن في الماضي يُختزل في قوة الأجهزة، فإن الأمن في سوريا الجديدة لن يُختبر إلا بقدرة الدولة على فرض القانون على الجميع، وحماية المواطنين، ومنع عودة أسباب الصراع التي أوصلت البلاد إلى ما كانت عليه.

السؤال الحقيقي اليوم ليس إن كانت سوريا نجحت في العودة إلى المجتمع الدولي، بل إن كانت قادرة على استثمار هذه العودة في بناء عقد جديد بين الدولة والمجتمع. فالعالم قد يمنح دمشق فرصة، وقد يرفع العقوبات، وقد يفتح أبواب الاستثمار، لكن الشرعية الأعمق لا تأتي من الخارج، بل تُكتسب في الداخل.

في النهاية، لن يحكم السوريون على نجاح الاستراتيجية الأمنية الجديدة بعدد المؤتمرات التي تحضرها دمشق، ولا بعدد اتفاقيات التعاون الأمني التي توقّعها، بل بقدرة الدولة على إعادة الأمن إلى معناه الطبيعي: أمنٌ يحمي المواطن، ويصون القانون، ويؤسس لدولة مستقرة، لا لسلطة مستقرة فقط

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *