مروان صباح :
وتضيف بأن الأجهزة الإسرائيلية بنت تصورها استناداً إلى معلومات تزعم أن أحمدي نجاد كان يعبر في جلساته الخاصة عن استياء متكرر من بعض قيادات النظام الإيراني ، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي ، وأنه كان مستعداً لإعادة صياغة السياسة الخارجية الإيرانية ، بما في ذلك تطبيع العلاقات مع إسرائيل إذا عاد إلى السلطة ، إلا أن ظهوره لاحقاً في المناسبات الرسمية ، ومشاركته في مراسم تشييع المرشد ، قدّما صورة مغايرة لما ورد في تلك المزاعم ، وهو ما يعزز الحاجة إلى التعامل النقدي مع التسريبات الاستخبارية وعدم تحويلها إلى حقائق نهائية ، ويثير هذا النمط من التسريبات سؤالاً أكثر عمقاً يتعلق بمدى تأثيره في مصداقية المؤسسات السياسية والأمنية الغربية نفسها ، فحين تتكرر التوقعات بانهيار النظام الإيراني خلال ساعات ، أو تُطرح سيناريوهات متلاحقة بشأن اغتيال كبار القادة أو حدوث انشقاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة ، ثم تمر الأحداث من دون أن تتحقق تلك التوقعات ، فإن الرأي العام يجد نفسه أمام أزمة ثقة متزايدة ، لا مع الخصم فحسب ، وإنما مع المؤسسات التىّ صاغت تلك الروايات وروجت لها.
وفي السياق ذاته ، هناك تقارير استخباراتية اسرائيلية تعرض الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لمحاولات اغتيال ، وربطت بين ذلك وبين ما زُعم عن وفاة السيناتور ليندسي غراهام في ظروف غامضة ، وفسرت تلك المزاعم باعتبارها رسائل غير مباشرة إلى البيت الأبيض ، كما ذهبت تقارير اخرى إلى احتمال تورط جهات استخبارية أو شبكات إجرامية ، تتهم روسيا أو إيران ، وفي المقابل ، ظهرت تقارير مقابلة أخرى تربط الحادثة ــ إن صحت ــ بتداعيات العمليات العسكرية في كييف واستهداف منشآت لإنتاج الطائرات المسيّرة، وهو ما يعكس اتساع مساحة التكهنات مقابل محدودية المعلومات المؤكدة ، وتكشف هذه البيئة الإعلامية أن أجهزة الاستخبارات لم تعد تقتصر على جمع المعلومات ، بل أصبحت فاعلاً رئيسياً في إنتاج السرديات السياسية ، ومن هنا تنشأ تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين المؤسسات الأمنية الإسرائيلية والإدارة الأمريكية ، وما إذا كانت بعض التقديرات الاستخبارية تنتقل مباشرة إلى صانع القرار السياسي من دون المرور بمسارات التقييم التقليدية داخل المؤسسات الأمريكية ، ورغم أن هذه الفرضيات تظل محل نقاش ، فإن مجرد تداولها يعكس حجم الشكوك التىّ أصبحت تحيط بآليات صناعة القرار في واشنطن ، لدرجة أنه قد يكون من الممكن أن يكون الموساد وراء اغتيال غراهام بهدف إعادة إشعال الحرب مع إيران ، كما أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في مضاعفة هذا المشهد ، إذ أصبح ظهور شخص مجهول في مناسبة رسمية أو في الصفوف الأمامية في تشييع المرشد كفيلاً بإطلاق موجة واسعة من التكهنات ، وقد تجسد ذلك في تداول صور لشخص يرتدي قناعاً أسود وقبعة ، سرعان ما ربطته بعض الحسابات باسم مجتبى خامنئي ، من دون أن تتوافر أدلة تؤكد صحة تلك الفرضيات ، الأمر الذي يعكس الكيفية التىّ تتحول بها الصورة في العصر الرقمي إلى مادة لإنتاج الروايات السياسية.
وعلى المستوى الفكري ، لا يمكن فصل هذه التحولات عن المشروع الثقافي والسياسي الأوسع الذي أعاد تشكيل العلاقة بين الدين والسياسة في العقود الأخيرة ، فبينما روجت الحداثة الغربية لمبدأ الفصل بين الدين والدولة ، ظهرت في المقابل مشاريع سياسية وظفت الرموز الدينية في خدمة أهداف جيوسياسية ، ومن بينها الخطاب المرتبط بما يُعرف بـ”الإبراهيمية”،ومن منظور نقدي ، أرى أن هذا الخطاب أعاد تقديم النبي إبراهيم عليه السلام بوصفه رمزاً جغرافياً مرتبطاً بما يسمى “أرض الميعاد”، بدلاً من كونه نموذجاً قرآنياً للتوحيد والهجرة إلى الله ونبذ الوثنية ، وبهذا المعنى ، فإن إعادة تفسير التراث الإبراهيمي داخل الأدبيات الصهيونية لم تقتصر ، وفق هذا الطرح ، على إعادة قراءة النصوص الدينية ، بل امتدت إلى منح المشروع الاستيطاني غطاءً حضارياً ودينياً ، عبر تحويل مفهوم الهجرة الإبراهيمية من رحلة روحية وأخلاقية إلى مشروع استحواذ مكاني يبرر الإحلال السكاني ويعيد إنتاج الجغرافيا بمنطق القوة ، حيث أفرغ هذا التحول الشخصية الإبراهيمية من مضمونها التوحيدي ، وربطها بأهداف سياسية تتجاوز السياق الديني الأصلي .
ومن ثم ، فإن الصراع الراهن لا يقتصر على الميدان العسكري أو السياسي ، بل يمتد إلى ميدان إنتاج الوعي وصناعة الحقيقة ، فالرواية أصبحت سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الصاروخ ، وأجهزة الاستخبارات لم تعد تكتفي بصناعة المعلومات ، وإنما أصبحت شريكاً في صناعة الإدراك الجماعي ، وعندما تهيمن الرواية على الحقيقة ، وتصبح الدعاية بديلاً عن الوقائع ، تتحول المصداقية نفسها إلى أولى ضحايا الصراع الدولي .
وفي نهاية المطاف ، فإن أخطر ما يواجه النظام الدولي اليوم ليس نقص المعلومات ، وإنما فائض الروايات ، فكلما ازدادت التسريبات ، واتسعت مساحة الحرب النفسية ، أصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر تعقيداً ، وباتت مسؤولية الباحث والمثقف تقتضي التمييز بين الخبر والتحليل ، وبين المعلومة والدعاية ، لأن مستقبل الوعي السياسي لن تحدده كثافة الخطاب ، وإنما قدرة العقل النقدي على تفكيك الروايات وإخضاعها لمعايير البرهان والتحقق … والسلام
See less
