سورية: الدولة بين الداخل والخارج!

15 يونيو 2026
كاريكاتيرات عن تطورات الوضع في سوريا | بالصور | الجزيرة نتتجاوزت القضية السورية طور المواجهة العسكرية المباشرة لتدخل في طور أكثر خطورة وعمقاً، وهو طور المخاض المؤسساتي والسياسي. فالدولة اليوم لا تواجه تحدي التعافي الاقتصادي فحسب، بل تحدي إعادة صياغة شرعيتها ومؤسساتها من الركام. بين بيروقراطية متهالكة، وفراغ تشريعي مقلق، وتحولات أمنية استخباراتية، تتقاطع المسارات المحلية مع المصالح الإقليمية لتضع البلاد أمام تساؤل مصيري حول شكل الدولة المقبلة وعقدها الاجتماعي.

وفي هذا المشهد المتشابك، تبدو سورية اليوم في مرحلة انتقالية معقدة، تحاول فيها إعادة بناء مؤسساتها السياسية والإدارية والأمنية بعد انهيار طويل في البنية المركزية خلال سنوات الحرب. هذه المرحلة لا تُفهم فقط بما هي مرحلة “إعادة إعمار”، بل إعادة تأسيس للدولة نفسها من حيث العلاقة بين المركز والمحافظات، وبين السلطة والمجتمع، وبين الداخل السوري وتأثيرات الخارج الإقليمي والدولي.

على المستوى الإداري والخدمي، تكشف طبيعة العلاقة بين الوزارات والمؤسسات المركزية في دمشق عن عمق المشكلة البنيوية؛ إذ ترتبط ببيروقراطية شديدة المركزية، وغياب الصلاحيات الفعلية، وعدم القدرة على اتخاذ قرارات سريعة، مما يؤكد أن اللامركزية ما زالت شكلية، وأن الدولة لم تحسم بعد نموذج الحكم الإداري الذي ستتبناه.

تجاوزت القضية السورية طور المواجهة العسكرية المباشرة لتدخل في طور أكثر خطورة وعمقاً، وهو طور المخاض المؤسساتي والسياسي

بالتوازي مع ذلك، يظهر ملف السلطة التشريعية حلقةً مفقودة في بناء الدولة؛ إذ يعكس تأخر انعقاد مجلس الشعب، رغم إنجاز معظم مراحل تشكيله، تعقيد المرحلة الانتقالية وعدم اكتمال التوازن السياسي والدستوري. فالخلاف ليس إجرائياً فحسب، بل يتعلق بمدى شمولية التمثيل السياسي لبعض المناطق والمكونات، ولا سيما بعد إجراء الانتخابات التكميلية في شمال شرق سورية، واستمرار الجدل حول طبيعة التمثيل وآليات استكمال تركيبة المجلس، إلى جانب بقاء ملف السويداء وقائمة التعيينات الرئاسية جزءاً من معادلة بناء السلطة التشريعية. هذا التأخير أدى إلى فراغ تشريعي واضح، حيث تُدار الدولة عبر مراسيم تنفيذية بدلاً من مؤسسات رقابية وتشريعية مكتملة الصلاحيات. وهنا يظهر سؤال جوهري: هل الدولة في طور تأسيس مؤسساتها فعلاً، أم أنها ما زالت تدير مرحلة انتقال طويلة دون سقف زمني واضح؟

وفي الجانب الأمني، يُعدّ استمرار الجهود في مكافحة تنظيم “داعش” وتفكيك خلاياه مؤشراً إيجابياً على تطور أداء الأجهزة الأمنية، غير أن ذلك لا يختزل المشهد الأمني برمته. فمسألة الأمن في سورية تتجاوز مواجهة التنظيمات المسلحة إلى سؤال أوسع يتعلق بقدرة الدولة على فرض سيادة القانون وترسيخ احتكارها للعنف المشروع في سياق أمني لا يزال غير مكتمل الاستقرار. فإلى جانب التهديدات المرتبطة بالإرهاب والخلايا المتحركة، يواجه الواقع الأمني تحديات أخرى تتعلق بتفاوت مستويات السيطرة بين المناطق، وبانتشار أنماط من الجريمة المنظمة والتهريب، إضافة إلى حوادث الاغتيال والتوترات المحلية في بعض السياقات.

وعلى المستوى السياسي والاجتماعي، يمثل الانقسام الأيديولوجي بين التيارات الإسلامية والحداثية أحد العوامل المؤثرة في المشهد السوري، إلى جانب الانقسامات القومية والطائفية والمناطقية، وتداعيات الحرب؛ حيث تشير المؤشرات إلى أن أحد أكبر العوائق أمام الاستقرار ليس الحرب أو التدخلات الخارجية فحسب، بل الانقسام الأيديولوجي والسياسي الداخلي. هذا الانقسام حوّل السياسة إلى صراع وجودي بدلاً من أن تكون تنافساً على البرامج والحلول؛ وكانت نتيجة ذلك فشل المعارضة في إنتاج إطار وطني جامع، وتفكك المجال السياسي إلى هويات متصارعة. وفي الحالة السورية تحديداً، أدى انهيار جزء كبير من البنية المؤسسية التقليدية للدولة إلى خلق فراغ سياسي وإداري، وإلى جعل الصراع يدور في فراغ مؤسساتي، أصبحت فيه الهوية بديلاً عن الدولة والمواطنة.

في الحالة السورية تحديداً، أدى انهيار جزء كبير من البنية المؤسسية التقليدية للدولة إلى خلق فراغ سياسي وإداري، وإلى جعل الصراع يدور في فراغ مؤسساتي

في المقابل، يطرح الخطاب السياسي المعاصر دعوة واضحة إلى “تفكيك الأيديولوجيا” وتحويل الصراع من “صراع هويات” إلى “صراع مصالح”؛ أي التعامل مع الإسلاميين والحداثيين بوصفهم قوى سياسية ذات مصالح قابلة للتفاوض، لا خصوما وجوديين. ويعتبر هذا التحول الفكري شرطاً أساسياً لمنع انهيار الدولة، لأنه يعيد تعريف السياسة بوصفها إدارة للخلافات لا حرباً على هوية الطرف الآخر.

أما على مستوى العلاقات الإقليمية والدولية، فتظهر سورية جزءاً من معادلة أوسع تشمل تركيا والعراق ولبنان وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل. وتشير التحولات الجارية في المنطقة إلى أن فرص الاستقرار السوري أصبحت مرتبطة بإعادة تشكيل توازن إقليمي جديد، تلعب فيه الولايات المتحدة الدور الأكثر تأثيراً، بالتوازي مع الدور الأمني والعسكري المتنامي لإسرائيل، بينما تتفاعل معه قوى إقليمية أخرى. وفي هذا السياق، لم تعد سورية مجرد دولة تعيد بناء مؤسساتها الداخلية، بل أصبحت عقدة جيوسياسية تتقاطع فيها ملفات الأمن الإقليمي، والنفوذ الإيراني، وخطوط التجارة والطاقة، وإعادة رسم موازين القوى في العراق ولبنان.

وفي ملف المقاتلين الأجانب، يظهر تحدٍ إضافي يتعلق بإدماج عناصر غير سوريين داخل مؤسسات الدولة أو إعادة تحويلهم إلى مدنيين. هذا الملف يعكس إشكالية أعمق تتعلق بهوية الدولة الجديدة: هل هي دولة وطنية بالمعنى التقليدي، أم دولة ما بعد الحرب تضم عناصر عابرة للحدود شاركت في الصراع العسكري والسياسي؟ الجدل هنا يكشف صعوبة الانتقال من منطق الثورة والحرب إلى منطق الدولة والمؤسسات.

عند جمع هذه المسارات كلها، يتضح أن سورية اليوم تقف عند نقطة مفصلية: الدولة تتحرك على ثلاثة مستويات متزامنة – إعادة بناء الإدارة المحلية، إعادة تشكيل السلطة التشريعية، وتطوير الأجهزة الأمنية – لكن هذه التحولات تجري داخل بيئة سياسية وإقليمية غير مستقرة، وداخل مجتمع منقسم إيديولوجياً واجتماعياً. في هذا السباق، إن المشكلة السورية ليست في غياب الحلول التقنية أو الموارد فقط، بل في غياب “العقد السياسي الجامع” الذي يحدد شكل الدولة، ونوع العلاقة بين مكوناتها، وحدود دور الدين والإيديولوجيا، ومستوى المركزية واللامركزية، وموقع سورية داخل الإقليم.

في المحصلة، لا يمكن للدولة أن تستقر عبر الأمن وحده، ولا عبر المؤسسات وحدها، ولا عبر الدعم الخارجي، بل من خلال توازن متزامن بين ثلاثة عناصر: الشرعية السياسية، والفعالية المؤسسية، والتوافق الاجتماعي الداخلي. وأي خلل في أحد هذه العناصر سيعيد إنتاج الأزمة، حتى لو تحسن العنصران الآخران.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *