المدرسة والتنشئة الشاذة وضرورة التهجين …
ميرا البيطار, سمير صادق :
هل يعني تعليم الأطفال تمجيد الفتوحات واعتبارها فضيلة وحضارة وأمجاد سوى تعليم هؤلاء الأطفال والشباب والشابات كيف يمارسون الاعتداء على الغير وسلبه لحريته وسرقة ماله واغتصاب نسائه وسبي فتياته وكره غيره وامتهان كرامته , ماذا يتعلمون من تمجيد الجزية المفروضة على البشر ليدفعوها وهم صاغرون وعن يد , وعندما يفرض على شعوب المناطق المفتوحة التقيد بالانحطاط الذي جاءت به العهدة العمرية , التي تمثل وثيقة عار لاشبيه لها في التاريخ البشري , ماهو المستوى الأخلاقي الذي يوضع الشاب والشابة به في المدرسة عن طريق تلقينه ” فضائل ” تلك العهدة !!!!! , وهل من العجب أن تتحول تلك الشابة وذلك الشاب الى وحوش مفترسة , تفترس غيرها حتى جيارانها او أولادها او غيرهم !.
على من يروج للمجرمين من امثال ابن الوليد او ابن العاص او عقبة بن نافع وغيرهم , ويعتبرهم ابطال وقدوات ويمجدهم في الكتب المدرسية , أن لايعجب من ارتفاع مستوى الاجرام والعنف والفساد والتأخر , الذي يمثل استمرارا لتراث الاجرام والعنف والتأخر , الذي ينعكس على التعامل مع أي آخر , ولو كان الجار ,الأعراف والتراث والمدرسة والتربية المدرسية هي المسؤولة عن صناعة انسان على شاكلتها وممثلا لها , مجتمع الحرب ينتج انسان العنف والحرب , مجتمع غنائم الحرب ينتج مجتمع التعفيش والسرقة والفساد ,الترويج للقيم البربرية في المدرسة تنتج برابرة , المدرسة والبيت الأسري والأعراف والتراث مسؤولين عن التردي الأخلاقي وعن تلف القيم في مجتمعات التزاحم في الحضيض , التي تحتضن الأرهاب وتتفهمه وتدافع عنه حتى بطرق ساذجة , كالقول هذا ليس من العقيدة بشي, وما هي قيمة عقيدة لايلتزم بها المنتمون اليها ؟؟.
لاشك بتأزم المشرق العربي , ولاشك بصدام هذا المشرق مع العصر, ولا شك في تأزم قيمه ولغته ومسلكياته وحتى أفكاره , التي تتحرك بها مخيلته ووعيه التاريخي ثم هويته ورموزه وتصوراته ,هناك خيبة أمل في هذا المشرق , خيبة مؤسسة على عجز التربية في اعادة صياغة القيم والرموز بما يتناسب مع روح العصر , عفن القيم والرموز لم يقض على من تم صناعة اعداءا منهم , بل قضى على الذات وعرقل اقامة المجتمعات بالمعنى العصري لهذه الكلمة , اي دولة بعقد اجتماعي , بالنتيجة غابت الدولة وتحولت البلدان والجماعات الى غابة والى وحوش كاسرة تمارس العض والنهش والعنف والذكورية والتسلط القمعي .
أحد الأسباب الرئيسية لكل ذلك كان عجز المناهج المدرسية في مسألة عصرنة وأنسنة الرموز والقيم , كقيم السلم والصدق والمساواة والتعاون , اذ كيف يمكن ترسيخ قيم السلم والأخلاق والمساواة عن طريق تقديم المجرمين كقدوات يجب التمثل والاقتداء بهم ؟, لم يتغير الوضع الى الأفضل للاسف بالرغم من مجلدات الجابري ومجلدات الطرابيشي واركون وغيرهم , بل نرى تأخرا اخلاقيا ومفهوميا ومسلكيا , لذلك يجب البحث عن وسائل تعليمية وتربوية أخرى .
لا يسمح الوقت بابتكار الجديد الجيد ذاتيا , فالهوة عن بقية مجتمعات العالم المتحضركبيرة جدا , قد يكون الانضمام الفعال الى نادي العولمة الطريق الأقصر والأجدى أي النقل عن الغير , هنا يمكن عندها , وعند توفر الارادة , القيام بعملية تهجين وزرع قيما جديدة ومجربة في امخاخ الناس , اول مايجب زرعه هو مشروع النقد خاصة النقد الذاتي , ثم انه من الضروري استزراع شيئا من بذور اتاتورك , الذي فصل بين ليلة وضحاها المؤسسات الدينية عن مؤسسات الدولة , او انه حقيقة أمم المؤسسات الدينية ووضعها في يد الدولة , لابد هنا من بداية علمانية , قد تبدأ بعلمانية السلطة الحاكمة , التي تبتر القيم الفاسدة بواسطة القانون الذي يطبق عندها بشيئ من القسوة والحسم كما فعل اتاتاتورك, تخمينا سوف لن تجد اي سلطة أي عقبات تذكر أمام تغير المناهج الدراسية , وحذف مادة التربية الدينية , والحد من تدخل رجال الدين بمؤسسات الدولة , سوف يكون تغيير قوانين الأحوال الشخصية سهلا جدا وممكنا وضروريا , حتى شرعنة وقوننة الزواج المدني سوف يلقى ترحيبا عارما , واعتراضا مهزوما من مرتزقة رجال الدين .
لقد برهنت عدة مناسبات عن سرعة تبخر معارضات رجال لمجرد بقي لهم بعض فتات الرزقة والكسب ,المثال على ذلك كانت السعودية ومحمد بن سلمان , الذي الغى حتى استخدام مكبرات الصوت في دور العبادة ,وسمح بفتح المتاجر والمطاعم اثناء وقت الصلاة , ثم قلص سلطة رجال الدين لدرجة كبيرة مثل الغاء منظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , حتى انه تجرأ عل الكتب المدرسية , التي تتم مراجعتها , سمح للمرأة بقيادة السيارة والكثير غير ذلك , مما قاد الى تآكل سلطة رجال الدين في وزارة العدل مثلا , دون أن نرى ذلك الزلازل التي هدد رجال الدين والمشايخ به دائما .
تتصف خطوات بن سلمان وأمثاله بكونها تجديدات فرضت سلطويا , كتجديدات اتاتورك وبو رقيبة بخصوص تعدد الزوجات , نظريا من الصعب تأييد الفرض السلطوي , الا انه لاوجود لوعي وارادة شعبية يمكن الاعتماد عليها في تلك المجتمعات المتأخرة , مما يسمح بالاعتماد على قرار الارادة الشعبية بدلا من الفرض السلطوي ,نريد الاشارة الى أن السعودية بدأت بالسماح للمرأة عام ١٩٦٢ بالتعليم , أي أن السعودية كانت في قمة التأخر ولم تقوى الارادة الشعبية على مواجهة هذا المنع .
بالمختصر يمكن القول ان الواقع السعودي فرض نوعا من التحديث أو حتى الحداثة , الذي بدأ بالسياسة وسينتهي بالمجتمع , بينما الأمر في المجتمعات الأوروبية كان عكس ذلك , اذ بدأت الحداثة اجتماعيا وانتهت سياسيا !.
Post Views: 11