مروان صباح:
ليس أكثر سهولة من إدانة الكاذب ، وليس أكثر صعوبة من فهم الأسباب التىّ دفعت إلى الكذب ، فالأحكام الأخلاقية غالباً ما تأتي متأخرة ؛ بعد أن تكون الحكاية قد اكتملت ، وبعد أن يكون الإنسان قد خاض معركته الطويلة مع الخوف والعجز والرغبة في القبول ، ولهذا فإن الكذب ، في كثير من الأحيان ، لا يكشف عن فساد الضمير بقدر ما يكشف عن هشاشة النفس البشرية ، وعن ذلك الصراع الخفي بين ما نحن عليه فعلاً وما نود أن يراه الآخرون فينا ، منذ الطفولة يتعلم الإنسان أن قيمته الاجتماعية لا تُقاس دائماً بحقيقته ، بل بالصورة التىّ ينجح في تقديمها ، شيئاً فشيئاً، تتحول الحياة إلى مسرح كبير ، ويتحول الأفراد إلى ممثلين يجتهد كل منهم في اختيار القناع الأنسب لعبور المواقف اليومية ، وعندما يصل الأمر إلى العلاقات العاطفية ، يصبح المشهد أكثر تعقيداً ، لأن الإنسان لا يقدم نفسه كما هو فحسب ، بل كما يتمنى أن يكون .ثمة اعتقاد شائع بأن التعاطف والعاطفة لا يسيران دائماً في الاتجاه نفسه؛ فالإشفاق قد يخلق رابطة إنسانية قائمة على المساندة والمؤازرة ، لكنه لا يكفي بالضرورة لتأسيس علاقة عاطفية متكاملة ، ولعل هذا المعنى هو ما تعكسه المقولة المنسوبة إلى دوستويفسكي: «إذا أردت أن تنساك المرأة إلى الأبد ، فحدِّثها عن الفقر والجوع واليُتم؛ فسرعان ما تتحول من معجبة إلى صديقة ، ثم إلى أخت ، قبل أن تتلاشى من حياتك» ، فالإعجاب الذي قد يفضي إلى الحب يختلف عن التعاطف الذي يوقظ مشاعر الشفقة والرعاية ، بل يُروى عن أنيس منصور قوله: «المرأة تصادق فيلسوفاً، وتعشق شاعراً، وتتزوج تاجراً» ، وهي عبارة تختزل ، في صياغة أدبية مكثفة، التباين بين ما يجذب المرأة فكرياً ، وما يأسرها عاطفياً ، وما تبحث عنه في شريك الحياة من استقرار وطمأنينة ، فالإنسان ، بطبيعته ، لا يبحث في شريك حياته عن الرعاية والمواساة فحسب ، بل عن مزيج من الإعجاب والانجذاب والثقة والأمان ، وعلى الرغم من الطابع التعميمي الذي تنطوي عليه هذه التصورات ، فإنها تلامس جانباً من التعقيد الذي يحكم العلاقات الإنسانية ؛ حيث تتداخل العاطفة مع الواقع ، ويتقاطع الإعجاب مع متطلبات الحياة اليومية ، فلا يكون الحب نتاج شعور واحد ، بل حصيلة توازن دقيق بين القلب والعقل وظروف الحياة .
في هذا الشأن ، لا يبدو الكذب مجرد محاولة لخداع الآخر ، بل محاولة لتجميل الذات أمام ذاتها ، فالرجل الذي يبالغ في الحديث عن نجاحاته أو قدراته لا يسعى دائماً إلى تضليل المرأة ، بل يحاول في أحيان كثيرة الهروب من شعوره بالنقص ، إنه يختلق نسخة أكثر قوة من نفسه ، ثم يبدأ تدريجياً في تصديقها ، لذلك ، كلما أخفق في تحقيق طموحاته ، لجأ إلى وسائل متكلَّفة وأقنعةٍ يتوارى خلفها ، وبدلاً من أن يعيش حريته الحقيقية ، يتحول إلى شخصٍ يلاحقه زيف الصورة التىّ صنعها لنفسه ، وفي مثل هذه الشخصيات الهامشية المنتشرة ، تتحدد ملامح الفرد تبعاً للقناع الذي يرتديه ؛ فنجده، على سبيل المثال ، يبالغ في حركاته الآلية أثناء تدخين سيجار اشتراه بالدَّين ، وهو ، قبل أن يسعى إلى إقناع الآخرين بثرائه ، يحاول إقناع نفسه بهذه الصورة المتخيلة ، وهكذا يخفي حريته الأصيلة ، ويغدو أسيراً للدور الذي اختاره واقتبسه لنفسه ، أما المرأة ، فليست مفتونة بالكذب ذاته ، وإنما بالصورة التىّ يخلقها الكذب ، فالإنسان عموماً لا يقع في أسر الوهم لأنه يجهل الحقيقة دائماً ، بل لأنه يجد في الوهم ما يعجز الواقع عن تقديمه ، ولهذا لم تكن بطلة رواية “مدام بوفاري” أسيرة أكاذيب الآخرين بقدر ما كانت أسيرة أحلامها الخاصة ؛ فقد عشقت الصورة التىّ رسمتها للحب أكثر مما عشقت الأشخاص أنفسهم ، وكانت كلما اصطدمت بالواقع عادت تبحث عن وهم جديد يعيد إليها ذلك الشعور المفقود بالكمال ، والأمر ذاته يتكرر بأشكال مختلفة في العلاقات الإنسانية ، فالرجل يقدم صورة محسّنة عن ذاته ، والمرأة تتعامل مع تلك الصورة بوصفها احتمالاً جميلاً ، ثم يدخل الطرفان معاً في لعبة معقدة يتداخل فيها الواقع بالخيال ، هنا لا يصبح السؤال : من يكذب؟ بل: لماذا نحتاج إلى الكذب أصلاً ؟، ربما لأن الحرية نفسها عبء ثقيل ، فالإنسان ، كما رأت الفلسفة الوجودية ، كائن حُكم عليه بأن يختار ، وأن يتحمل مسؤولية اختياراته ، ومع الحرية يولد القلق ، ومع القلق تنشأ الحاجة إلى الأقنعة ، لذلك يهرب البعض إلى المظاهر ، ويهرب آخرون إلى الأوهام ، بينما يهرب فريق ثالث إلى الأكاذيب الصغيرة التىّ تجعل الحياة أقل قسوة مما هي عليه .
ومن هذه الزاوية ، يغدو الكذب ظاهرة اجتماعية ونفسية أكثر منه مجرد خطيئة فردية ، إنه محاولة فاشلة لتعويض النقص ، أو الاحتماء من الخوف ، أو انتزاع اعتراف الآخرين بقيمة نفتقدها في أعماقنا ، ولذلك فإن سقوط الكذبة لا يكشف الكاذب وحده ، بل يكشف أيضاً البيئة النفسية والاجتماعية التىّ جعلت تلك الكذبة ممكنة ومقبولة ومغرية في آن واحد .
وليس من المستغرب أن تميل المرأة إلى تقدير هذا الجانب من الاستقرار ؛ فهي غالباً ما تنشأ في كنف أبٍ يحيطها بالرعاية والاهتمام ، وأخٍ أكبر يمثل لها صورة السند والحماية ، ومنذ سنواتها الأولى تعتاد ، في كثير من المجتمعات ، أن يكون الرجل هو المسؤول عن توفير احتياجاتها الأساسية وتلبية متطلباتها ، فتترسخ لديها صورة ذهنية تجعلها تتطلع إلى شريك حياة قادر على منحها الشعور ذاته بالأمان والاستقرار ، لذلك فإن بحثها عن هذا الجانب لا يُفهم بالضرورة بوصفه نزعة مادية ، بقدر ما هو امتداد لتكوين اجتماعي ونفسي تشكل عبر سنوات طويلة من التنشئة والخبرة.
وفي النهاية ، ليست المعضلة الحقيقية في أن بعض الناس يكذبون ؛ فالكذب ظاهرة قديمة بقدم الإنسان نفسه ، وإنما في أن كثيرين يفضلون أحياناً سماع الوهم على مواجهة الحقيقة ، وهنا تحديداً تكمن المأساة الإنسانية ؛ فالكاذب يختبئ خلف قناع ، لكن من يصدق ذلك القناع ويتعلق به يشارك ، من حيث لا يدري ، في صناعته ومنحه القدرة على الاستمرار ، فالحقيقة ، مهما كانت قاسية ، تبقى أقل ضرراً من وهمٍ جميل ينهار عند أول اصطدام بالواقع …والسلام
Weniger anzeigen
