الهروب من الواقع…حين يصبح الانسحاب استراتيجية للبقاء!

مروان صباح :

الهروب من الواقع! – الشروق أونلاين      ليست كل المعارك صاخبة ، ولا كل الهزائم مرئية ، فثمة صراعات تُدار في صمتٍ كامل داخل الإنسان ، بعيدًا عن ضجيج العالم وأحكامه ، حيث تتقاطع الرغبات بالمخاوف ، وتتزاحم الطموحات مع القيود التىّ يفرضها الواقع ، وفي هذه المساحة الخفية تحديدًا تتجلى واحدة من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدًا وإثارة للتأمل : الهروب ، ولعل المفارقة الأكثر لفتًا للنظر أن الإنسان يقضي سنوات طويلة من عمره في بناء حياته ؛ يعمل ، ويؤسس أسرة ، ويصنع مكانة اجتماعية ، ويسعى إلى ترسيخ هويته بين الآخرين ، لكنه في لحظة ما يجد نفسه يبحث عن طرق متعددة للابتعاد عن الواقع ذاته الذي بذل كل ذلك الجهد من أجل الوصول إليه ، وكأن المشروع الذي أمضى حياته في تشييده يتحول تدريجيًا إلى عبء يحاول التخفف من ثقلة ، غير أن الهروب هنا لا يعني دائمًا مغادرة المكان أو التخلي عن المسؤوليات ، بل يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا وأشد خفاءً ، فالإنسان كثيرًا ما يهرب إلى الداخل ، إلى عالم يتشكل من الخيال والاحتمالات والرغبات المؤجلة ، هناك يعيد ترتيب الوقائع وفق ما يشتهي ، ويصوغ حياة موازية تعوضه عما عجز عن تحقيقه في الواقع ، ولهذا يبدو الخيال أحيانًا أقل قسوة من التجربة المباشرة ، لأن الإنسان يستطيع أن يتحكم فيه ، بينما يبقى الواقع عصيًا على الرغبات ومقاومًا للأمنيات .

ومع ذلك ، فإن المفارقة لا تتوقف عند هذا الحد ؛ فالخيال الذي يتحول إلى ملاذ من الواقع هو نفسه المصدر الذي يستمد منه الإنسان قدرته على التغيير وصناعة المستقبل ، فكل مشروع بدأ فكرة ، وكل إنجاز كان في الأصل صورة متخيلة قبل أن يصبح حقيقة ، لكن عندما تتعثر الإرادة أمام صلابة الواقع ، يتحول الخيال من أداة للبناء إلى وسيلة للانسحاب ، ومن قوة دافعة نحو الفعل إلى مساحة للتعويض النفسي ، ومن هنا يمكن فهم الكثير من السلوكيات اليومية التىّ تبدو عابرة للوهلة الأولى ، فالبعض ينسحب من مواجهة المشكلات في العمل ، وآخرون يبتعدون عن دوائرهم الاجتماعية ، وغيرهم يبحثون باستمرار عن أمكنة أو علاقات بديلة يختبئون فيها من ضغوط الحياة ، وقد يصل الأمر إلى حد بناء شعور متخيل بالسيطرة يعوض الإحساس بالعجز أمام واقع يبدو أكبر من القدرة على احتماله ، وحتى الطفل الذي يدّعي المرض للتهرب من المدرسة لا يفعل ذلك إلا بوصفه تعبيرًا مبكرًا عن هذه الآلية الإنسانية العميقة ، لكن اختزال الهروب في صورة سلبية خالصة قد يكون تبسيطًا مخلًا بطبيعة الإنسان نفسها ، فالحياة لا تقوم على المواجهة وحدها ، كما أن الوجود لا يتحرك في اتجاه واحد ، إن الكون بأسره قائم على جدلية الأضداد ؛ بين الحركة والسكون ، والقوة والضعف ، والنظام والفوضى ، والنهار والليل ، وما ينطبق على الطبيعة ينطبق كذلك على الإنسان ، الذي يحمل في داخله تناقضات لا تنتهي ، ويعيش باستمرار حالة من التوازن الهش بين رغبات متعارضة .
ولهذا فإن الصراع الداخلي ليس علامة خلل ، بل علامة حياة ، فالقوس لا يؤدي وظيفته إلا لأن طرفيه مشدودان في اتجاهين متعاكسين ، والوتر الموسيقي لا ينتج نغمته إلا بفعل التوتر الكامن فيه ، وكذلك الإنسان ؛ فاستقراره لا يولد من غياب التناقض ، بل من قدرته على إدارة هذا التناقض وتحويله إلى طاقة منتجة ، ومن هذا المنظور ، لا يبدو الانسحاب دائمًا مرادفًا للضعف أو الفشل ، ففي كثير من الأحيان يكون شكلًا من أشكال الدفاع عن الذات، أو محاولة لإعادة ترتيب التوازن الداخلي قبل استئناف المواجهة ، فالإنسان لا يستطيع أن يعيش في حالة استنفار دائم ، كما لا يستطيع أن يخوض كل معاركه في الوقت نفسه ، وأحيانًا يكون التراجع خطوة ضرورية للحفاظ على القدرة على الاستمرار، تمامًا كما ينسحب المقاتل من مواجهة غير متكافئة ليس لأنه فقد الشجاعة ، بل لأنه يدرك حدود القوة ومتطلبات البقاء .
غير أن فهم الهروب يقتضي التمييز بين مسارين مختلفين كثيرًا ما يختلطان على الناس ، فهناك هروبٌ يقود إلى الحرية ، وهناك هروبٌ يبتعد عن مواجهة الواقع ، وفي الظاهر قد يبدو السلوكان متشابهين ، لكن الفارق بينهما جوهري ، فالهروب إلى الحرية هو ذلك القرار الذي يدفع الإنسان إلى مغادرة واقعٍ ضيق بات عاجزًا عن استيعاب طموحاته أو التعبير عن إنسانيته ، إنه انسحاب من القيد لا من المسؤولية ، ومن الركود لا من الفعل ، فالمفكر الذي يغادر بيئة تخنق حرية التفكير ، أو الشاب الذي يترك ظروفًا تحد من إمكاناته بحثًا عن فرصة أوسع ، أو حتى الشعوب التىّ تنتفض على أوضاع تعيق تطورها ، جميعها تمارس نوعًا من الهروب الإيجابي الذي يحمل في جوهره إرادة التحرر والبناء. هنا يصبح الانسحاب خطوة نحو واقعٍ أفضل ، لا فرارًا منه.
أما الهروب من مواجهة الواقع ، فهو الوجه الآخر للمسألة ، ففي هذا النموذج لا يسعى الإنسان إلى تغيير الظروف ، بل إلى تجنبها ، لا ينسحب لكي يعيد بناء ذاته ، بل لكي يؤجل استحقاقات الحياة ، فيلجأ إلى الأوهام والتبريرات والتسويف ، ويستبدل الفعل بالتمني ، حتى يغدو الخيال عالمًا بديلاً يقيم فيه بصورة دائمة ، ومع مرور الوقت تتسع المسافة بينه وبين الواقع ، فيفقد القدرة على التأثير فيه أو حتى فهمه على نحو صحيح ، وبين هذين النموذجين تتحرك معظم تجارب البشر ، فالهروب ليس قيمة أخلاقية ثابتة يمكن الحكم عليها بالإيجاب أو السلب بصورة مطلقة ، وإنما يتحدد معناه بالاتجاه الذي يقود إليه ، فإذا كان يفتح بابًا نحو وعي أوسع وحرية أكبر أصبح فعلًا من أفعال التحرر ، أما إذا تحول إلى قطيعة مستمرة مع الواقع فإنه يغدو شكلًا من أشكال الاستسلام المؤجل .

في النهاية ، يبقى الهروب لغةً إنسانية معقدة لا يمكن فهمها عبر الأحكام السريعة ، فهو ليس دائمًا تعبيرًا عن الخوف ، كما أنه ليس دائمًا علامة حكمة ، إنه المنطقة الرمادية الفاصلة بين الرغبة والعجز ، وبين الطموح والإحباط ، وبين ما نملكه من قدرة على الاحتمال وما يتجاوز تلك القدرة ، وربما لهذا السبب لا يهرب الناس من الواقع لأنهم يرفضونه فحسب ، بل لأنهم في كثير من الأحيان يعجزون عن احتمال شدة تعلقهم به، أو حجم الصورة التىّ رسموها له في مخيلتهم ، فبين الهروب إلى الحرية والهروب من الواقع تتحدد ملامح التجربة الإنسانية بأكملها ؛ تجربة لا تبحث دائمًا عن النجاة من الواقع ، بقدر ما تسعى إلى إعادة التفاوض معه كلما ضاقت المسافة بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون…والسلام 🙋‍♂️

 

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *