كيف تمنعنا، نحن النساء، الممنوعات والمحرمات والتابوهات من الاستمتاع بالحياة؟

  ماريا عباس :

حقوق المرأة       أننا معشر النساء قادرات على تخطي الكثير من الممنوعات والحدود الوهمية التي تعيق تطورنا والاستمتاع بحياتنا وتحد من حريتنا.

نحن نعيش حياتنا كنساء، في محاولات كثيرة للخروج من قفص التابوهات، واختلاس الفرص للتهرب من ملاحقة الكم الهائل من الممنوعات التي تنهال علينا من كل المحيطين بنا بذريعة الوصاية، وتحت مسميات عديدة، وسوط العنف المتشدق يجلدنا، وهم لا يزالون يتفاخرون به ويمارسونه ليلاً ونهاراً.
هذا العنف البعيد عن الممنوع، الموجود في كل شيء يخصنا، ولا رادع له، نساء يُقتلن بلا رحمة معنويا وجسديا.
بالإضافة إلى الممنوعات التي أثقلت كاهلنا ونغصت حياتنا وتلازمنا كظلنا، مرة باسم الأهل بذريعة الخوف والعيب، ومرة باسم الدين بذريعة الحلال والحرام، وأخرى باسم العادات التي تجيز ولا تجيز. وبالنهاية تمنعنا من أن نحيا “الحياة كاملة”، نعم تحيا نساء وهن يعشن الموت كل يوم.
قبل يومين قرأت عبارة مؤثرة باللغة الألمانية، على ورقة نعي لرجل نمساوي مات في الثمانين من عمره:
“الآن لم أعد موجوداً في هذه الحياة، ولكني عشتها فعلاً”.
أتساءل هنا هل نحن بالفعل عشناها، هل كان لنا أن ننعم بفرصة الحياة على هذه الأرض؟
أهي حياة النساء، المترافقة بالبؤس والقمع، أم هو الانتماء لمجتمعات ما زالت تأكل وتشرب من منابع التخلف الاجتماعي، فمجرد التفكير بطريقة مختلفة، ومحاولة لإحداث التغيير أو كسر القيود، وممارسة إنسانيتنا المشروعة، كافية لتنهال علينا الاتهامات والشتائم والصفات السيئة، واستلاب الحقوق أضعافاً مضاعفة مقارنة بالرجال الذكوريين في مجتمعاتنا المشبعة بالتخلف والجهل والفقر والحروب والقمع.
ضقنا ذرعاً ونحن نحاول التخلص من هذه الممنوعات، التي تخنقنا وتسبب لنا إعاقات شتى. نحاول بأقصى ما نملك من صبر وقوة لنخوض تجاربنا الخاصة، ونحرر مشاعرنا من القمع ونخلع الرضا المزيف، ونحاول أن نسلك طريقاً مغايراً لما كان مرسوماً من قبل أجيال سبقتنا، فلنعلن أن هذه الممنوعات لم تعد تناسبنا بتاتاً.
نحن هو ذاك المقهور، نعم مجتمعنا الذي تتولى فيه الذكورية أدوار الإرشاد والقوامة على المرأة خاصة، وتحرمها من خوض تجارب كثيرة، وتفاصيل تبدو مجهولة تجذبنا بلمسة سحر خفية، فنكتشف خساراتنا لأننا كنا مخدوعات بالكثير من الممنوعات والقوالب الزائفة التي لا أساس لها من الصحة.
طفولة بألوان وألعاب وطريقة وملابس محددة، ومراهقة بدت مرعبة في بيئاتنا التي يكتنفها الخوف والكبت، وتنهال الممنوعات لنفرز في مدارس خاصة بالإناث، ونمنع من الكثير مما هو مسموح لأقراننا الذكور. لا يزال ركوب الدراجة حلماً يراودني وأنا في الأربعين، وارتداء الملابس القصيرة وارتياد المسابح والضحك بصوت عالٍ، والتحدث عن الحب والجنس، والتعبير عن مشاعري بصراحة، وخوض تجربة الحب التي لا تزال تمارس خفية، والدورة الشهرية الزائر المريب بحضوره، أتذكر كيف كانت تتم عملية شراء كيس الفوط النسائية وكأنها عملية تهريب لكيس من المخدرات.
هنالك أمور كثيرة، البعض منها يضحكني وأنا أتذكرها، كيف سلبت منا أوقاتاً كنا أحوج فيها للسعادة والحرية واختبار كل شيء.
وحتى الحياة الزوجية كنا ندخلها، ونحن نرتدي ثوب الخوف من خوض التجربة الجنسية الأولى، إنها تبدو أقرب لعملية الاغتصاب، الشعور المريب بالوصمة والعار ونحن نمارس ما كان محرماً الاقتراب منه أو التحدث عن تفاصيله، لنكتشف أننا كنا نحتاج لدورة في محو الأمية في الجنس والعلاقات الزوجية.
تصوروا حتى في غرف النوم ذات الخصوصية تلاحقنا الممنوعات والمحرمات، ما يجوز له وما لا يجوز لها من سلوكيات ومبادرات وأحاديث وتفاصيل خاصة.
هل نبقي رغباتنا وتفضيلاتنا طوال حياتنا طي الكتمان؟ أم نتظاهر بالرضا والرضوخ للقوانين المجتمعية المزاجية والمحرمات التي تحيط بكل زوايا حياتنا في الأكل والشرب والمشاعر والطقوس الدينية والتوجهات السياسية وحتى بمظهرنا الخارجي؟ أم أن ممارسة النساء للحرية الشخصية تعتبر تفكيكاً للعقلية السلطوية التي تبدو للكثيرين بأنها تنهار أو مهددة بالزوال.
أي كائن هذا الذي يحق له التدخل في تفاصيل يومنا ونومنا، مأكلنا ومشربنا، صلاتنا وصيامنا، ملابسنا وشركاء حياتنا. اتركونا نختبر لذة الفشل وجمال المحاولة.
إلى متى سيستمر هذا الخوف من وضع أيدينا على جراحنا، والتلويح بالصوت عالياً: كفانا قمعاً وتعنيفاً، قوانينكم أصبحت رثة، لا تقي من شر ولا تحمي من برد وجوع، إنها لم تعد تناسبنا، وها هي مجتمعاتكم التي ننتمي إليها انهارت فوق رؤوس الجميع، وممنوعاتكم تشهد على ما حدث ولا يزال يحدث.
اتركونا، نحاول أن نعيش الحياة كما نريد لأنفسنا، دعونا نقرر ما يناسبنا، حياتنا ملك لنا وليست هبة من أحد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *