هل يكتب السوريون عقد بلادهم الجديد؟

 

 جمال حمور :

02 مايو 2026
يمكن النظر إلى الإطار العام لهذا التحليل بوصفه محاولة لفهم التحول السوري من لحظة الثورة إلى ما بعدها، ليس بوصفه حدثًا سياسيًا منفصلًا، بل بوصفه عملية تفكيك وإعادة تركيب للدولة والمجتمع والشرعية السياسية في آن واحد. في هذا السياق، لا يتم التركيز فقط على من يحكم، بل على طبيعة البنية التي يُراد إعادة إنتاجها، وعلى مدى اقترابها أو ابتعادها من نموذج الدولة الحديثة القائمة على القانون والمؤسسات.

سوريا اليوم لم تعد أمام سؤال تقليدي من نوع: هل تحسّن الوضع أم لا، بل أمام مفترق أعمق بكثير: هل نحن فعلاً أمام ولادة دولة جديدة، أم أمام إعادة تشكيل سلطة جديدة بلغة مختلفة داخل الأزمة نفسها التي أنتجها النظام السابق؟

سقوط النظام كان لحظة تاريخية مفصلية، لكنه لم يكن نهاية المسار، بل بدايته الأكثر تعقيداً. ما تلاه لم يكن انتقالاً منظماً نحو الديمقراطية، بل حالة سيولة: انفتاح نسبي في المجال العام، مقابل هشاشة في البنية الأمنية والسياسية؛ حضور دبلوماسي متزايد، مقابل شرعية داخلية غير مكتملة؛ وإعادة تشغيل مؤسسات، دون اكتمال مفهوم الدولة كمرجعية جامعة.

هنا تحديداً، لا يمكن فهم السلطة الحالية إلا كسلطة انتقالية، لكن المشكلة لم تعد في تعريفها، بل في اتجاهها. وهذا ما بدأ يظهر بوضوح في خطابها السياسي، خاصة في إطلالة الرئيس أحمد الشرع خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي، حيث ركّز على الاستقرار، إعادة الإعمار، والانفتاح الخارجي، أكثر بكثير من حديث واضح عن شكل النظام السياسي القادم أو آليات الانتقال الديمقراطي.

هذا الخطاب يعكس تحولاً مهماً: من منطق التغيير إلى منطق إدارة الدولة. وهو تحول مفهوم، لكنه يحمل خطراً كامناً: أن تتحول أولوية الاستقرار إلى بديل عن أولوية التأسيس السياسي.

في المقابل، لم يعد المجتمع السوري صامتاً كما كان متوقعاً بعد الحرب. ما جرى في اعتصام قانون وكرامة أمام مبنى محافظة دمشق، يوم 17 نيسان/أبريل 2026، ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر بالغ الأهمية. فاختيار المكان، أي مركز الإدارة المحلية في العاصمة، واختيار التوقيت، في لحظة سياسية انتقالية حساسة، يعكسان وعياً متقدماً بطبيعة المطالب وحدودها. وللمرة الأولى منذ فترة، يخرج حراك مدني بشعارات تتعلق بالقانون والكرامة والحقوق، لا بإسقاط النظام ولا بالصراع المسلح.

هذا يعيد تعريف أحد أهم عناصر المشهد: المجتمع لم يعد فقط ضحية أو متلقياً، بل بدأ يستعيد دوره كفاعل يطالب ويضغط. وهذا يضع السلطة أمام اختبار حقيقي: هل ستتعامل مع هذا الحراك، في قلب دمشق، بوصفه تعبيراً مشروعاً عن المجال العام، أم كإشارة يجب احتواؤها وضبطها؟

هنا نعود إلى جوهر المسألة: توزيع القوة، الشرعية، إدارة التعدد، والمجال العام.

على مستوى القوة، ما تزال الدولة غير مكتملة الاحتكار للعنف والقرار. صحيح أن المركز في دمشق عاد، لكن سوريا لا تزال تعيش ضمن شبكة معقدة من النفوذ المحلي والإقليمي. وهذا يعني أننا أمام سلطة مركزية صاعدة، لا دولة مكتملة.

على مستوى الشرعية، هناك مفارقة واضحة: تقدم خارجي يقابله تردد داخلي. الانفتاح العربي والدولي أعطى السلطة زخماً، لكنه لم يتحول بعد إلى ثقة اجتماعية واسعة. جزء كبير من السوريين لا يعارض، لكنه أيضاً لا يمنح ثقته الكاملة. وهذه المنطقة الرمادية هي الأخطر، لأنها تحدد مستقبل الاستقرار الحقيقي.

أما في إدارة التعدد، فالتحدي لم يعد نظرياً. سوريا اليوم بلد مثقل بالخوف والذاكرة. وأي سلطة لا تنجح في طمأنة جميع مكوناته بشكل عملي، لا خطابي، ستكون عرضة لإعادة إنتاج الانقسام، الطمأنة هنا ليست شعارات، بل سياسات: تمثيل، عدالة، ومحاسبة.

وفيما يتعلق بالمجال العام، فالمشهد أكثر تعقيداً مما يبدو. صحيح أن هامش التعبير اتسع، لكن الخوف لم يختفِ، بل تغيّر شكله. لم يعد فقط خوفاً من السلطة، بل أيضاً من المجتمع، من التخوين، ومن الاستقطاب الحاد. وهذا يعني أن سوريا خرجت من الصمت، لكنها لم تدخل بعد ثقافة الحرية، وهنا تحديداً يصبح دور السلطة حاسماً: ليس في السيطرة على المجال العام، بل في تنظيمه بطريقة تسمح بوجود نقد حقيقي دون أن يتحول إلى فوضى أو قمع.

إذا أضفنا إلى ذلك السياق الإقليمي والدولي، تصبح الصورة أكثر تعقيداً. سوريا اليوم جزء من شبكة مصالح وصراعات، وليست حالة داخلية فقط. وهذا يفرض على السلطة موازنة دقيقة بين الحاجة إلى الخارج، وخطر الارتهان له.

لكن ربما التحول الأعمق الذي يجب الانتباه إليه هو إعادة تعريف الثورة نفسها. لم تعد الثورة حدثاً منتهياً بسقوط النظام، بل أصبحت سؤالاً مفتوحاً: هل كانت تهدف فقط إلى إسقاط سلطة، أم إلى بناء دولة مختلفة فعلاً؟ هذا السؤال عاد اليوم من خلال الشارع، لا من خلال النخب فقط، واعتصام “قانون وكرامة” هو بهذا المعنى، امتداد متأخر للثورة، لكن بأدوات جديدة: مدنية، حقوقية، وغير مؤدلجة، وهذا تطور نوعي يجب قراءته بجدية.

في النهاية، سوريا تقف اليوم بين مسارين واضحين، لكن غير معلنين: إما أن تتحول هذه المرحلة إلى لحظة تأسيس حقيقية: دستور، قانون، تعددية، ومؤسسات مستقلة، أو أن تنزلق تدريجياً إلى نموذج سلطة مستقرة بلا سياسة: أقل عنفاً من الماضي، لكنها غير قادرة على إنتاج حرية مستدامة.

الفرق بين المسارين لن يظهر في الخطابات، بل في التفاصيل: كيف يتم التعامل مع احتجاج سلمي، كيف يُحمى المختلف، كيف يُبنى القانون، وكيف يُفهم النقد. هناك فقط سيتحدد إن كانت سوريا خرجت فعلاً من منطق الثورة إلى منطق الدولة، أم أنها ما تزال تعيد إنتاج السلطة، ولكن بأدوات أكثر نعومة

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *