سمير صادق , مفيد بيطار :
كانت فرحة السوريين كبيرة بالحكومة الفيصلية في دمشق كممثلة لانتعاش اليقظة الوطنية ونهاية الحكم العثماني , الذي دام حوالي 400 سنة , كل ذلك تحقق دون قصد مبرمج او جهد ذاتي اضافة الى ذلك , لقد تم اضافة الى ذلك تفكيك الرابطة الاسلامية , التي نادت بالاستكانة للحكم العثماني ,ثم تحولت دمشق الى قبلة للعرب والعروبة , لابل الى قلب العروبة النابض بالوحدة والحرية والاستقلال والتقدم والديموقراطية , ففي دمشق تجمعت اقطاب عربية بعد دخول الأمير فيصل ابن الحسين المدينة , فمن العراق اتى ياسين الهاشمي والعديد غيره, ومن فلسطين أمين الحسيني وغيره, ومن لبنان عادل أرسلان وغيره , اضافة الى العديد من السوريين مثل هاشم الأتاسي وشكري القوتلي وسلطان باشا الأطرش وفارس الخوري وساطع الحصري وغيرهم , تمكن كل هؤلاء من تأسيس حكومة جسدت آمال وأحلام السوريين مثلا بالوحدة حيث أن الملك كات حجازيا ورئيس البرلمان السوري كان مصريا من اصول لبنانية(رشيد رضا ) , وقائد الجيش كان ياسين الهاشمي عراقيا , ووزير العدل كان مسيحيا لبنانيا (اسكندر عمون ) ,ورئيس الأمن العام كان مسيحي من لبنان -طرابلس اسمه جبرائيل حداد , حتى وزير العدل كان مسيحيا من لبنان , وقضاة محكمة الاستئناف العليا كانوا مسيحيين , ولم يكن قبل مئة عام تقريبا اي مادة دستورية بخصوص تحديد دين الدولة ,وبخصوص الدولة نص الدستور على انها مدنية نيابية ,نص الدستور ايضا على انه من الممنوع لأي من العائلة المالكة ان يصبح وزيرا ,ومنع النواب من ممارسة اي عمل تجاري, لم يكن في سوريا حتى عام ١٩٤٦ ذلك الفساد الأسطوري , ولم تكن هناك تلك السجون العملاقة وذلك العدد الضخم من القتلى والمخطوفين ومجهولي المصير , لابل كانت هناك صحافة حرة وانتخابات نظيفة قادت الى اول رئيس للجمهورية السورية اي محمد علي العابد !.
تغير الوضع بعض الشيئ بعد صدور قرار الانتداب , وبعد تثبيت الجيش الفرنسي لوجوده في البلاد وطرد الملك من سوريا ثم تحويله الى العراق ثم الغاء دولة العلويين في السنين التالية واشكالية الرسائل المتضاربة المتناقضة بخصوص دولة العلويين , ثم سردية ابن تيمية القديمة بخصوصهم الخ, فالماضي عموما لايموت ولا هو بماض, وحقبة الانتداب اصبحت جديرة جدا بالدراسة المعمقة , خاصة عند النظر الى تطور سوريا بعد عام ١٩٤٦ وعلى الأخص بعد عام ١٩٥٨ , وبعد عام ١٩٧٠ ثم بعد٢٠٢٤ والى الآن.
تقود دراسة وضع سوريا بشكل مختصر جدا بعد سايكس بيكو وبعد سان ريمو وبعد جلاء الفرنسيين ثم تقييم التطور السوري خلال ربع القرن الفرنسي, ومقارنة كل ذلك مع تطور سوريا في ثلاثة ارباع القرن الماضي ومع الماضي العثماني والقريشي , الى نتائج لم تكن متوقعة وحتى انها لم تكن قابلة للتصور , فبعد عام ١٩٥٨ لم يكن هناك سوى التردي المستمر والمتزايد , الى أن وصل الوضع الى أفغنة سوريا في الوقت الحاضر , كل ذلك ترافق مع تزايد شك السوريين بجدارة الحكم الذاتي في سوريا , الشك تحول الى حنين الى حالة عشرينيات القرن الماضي والى ربع قرن الانتداب الفرنسي , ليس شغفا بالانتداب , انما رفضا للتأخر والانحطاط والفشل , الذي بلغ ذروته في الجولانية , لانلوم من يحن ,ولكن نلوم من تسبب بولادة هذا الحنين , الذي وصل الى حد مطالبة البعض بوضع سوريا تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, هل يمكن للفشل السوري أن يكون أعظم ؟, وهل يمكن لخيبة الأمل أن تكون أقل !
