من الفتوحات الى تصدير الثورة …
ما بيطار, سيريانو :
لامنطق في النزعة العروبية الدينية لاستحضار الماضي كتلة واحدة تعتبر مقدسة , لكون اطارها العام ديني غير قابل للتطور والتأقلم مع ظروف الحياة المتغيرة , لا منطق اطلاقا في انتقاء اسوء ما تضمنه الماضي ليكون حاكما ومهيمنا ومستعمرا للحاضر والمستقبل ,مثل الخلافة أو الولي الفقيه أو الموقف من المرأة أو تشييئ الانسان ,أو دور الخالق في تعيين ولي الأمر خليفة او ولي فقيه ,ثم الشريعة , والعادات التقاليد البالية الأخرى …الخ .
لقد تميز العرب عن غيرهم من الشعوب في خياراتهم الخاطئة وميلهم الغير مفهوم للسيئ والرداءة ,مثل الادمان على التحارب ثم ممارسة العنف والعنصرية والثأر والفردية والعنجهية والابتعاد عن الموضوعية ثم الارتماء في الفصامية وازدواجية المعايير والعداء للآخر , الذي يروج له في معظم خطب الجمعة , ثم الميل الى الاقصاء والشخصنة والنزعة العشائرية ونموذج المجتمع الأبوي الرعوي الخ , بحيث أصبح من الصعب الطعن في توصيف ابن خلدون لهم في مقدمته المعروفة بخصوص الخراب الذي يحل اينما حل العرب!! .
من لايريد القطيعة “الثورية”الكلية مع الماضي , عليه نبش هذا الماضي وتفكيكه والاستغناء عن الغير مناسب منه بكل حيادية وموضوعية , لافائدة من تزييف وتزوير الماضي , و الفائدة الأكبر تكمن في امكانية التصالح معه , والتصالح لايتم اطلاقا مع كل ذلك الماضي , انما مع بعض اجزائه المفيدة ,التي يمكن التعرف عليها بالنبش والتفكيك والتحليل الموضوعي , الذي لايهدف الى تشنيع الماضي انما الى تحريره من الشنيع , فالنبش والتفكيك هو عملية فكرية فلسفية تاريخية بمنتهى الرقي والضرورة للسير بالحياة الى الأمام حاضرا ومستقبلا ,نبش الماضي وتحليله يخدمه ويرفع من مكانته وقيمته , خاصة بعد التعرف عليه والتمكن من الابتعاد عن سلبياته وأخطائه .
على الماضي الذي يريد أن يكون محترما أن يمثل عملية تحرير متبادلة مع الحاضر , على الماضي الذي يريد البقاء ضروريا أن يتخلص من مفهوم “المنافسة ” مع الحاضر ,لأن الحاضر والمستقبل لايتصالح مع منافسيه , الذين يريدون الحلول محله ,من رحم المنافسة قد تولد “الضدية” القطعية المتضمنة لرفض كل الماضي , أو استيلاء الماضي على كل الحاضر والمستقبل بالعنف , الذي يصبح في مرحلة معينة مظهرا من مظاهر “الضدية”والاختلاف , كما حدث بين الأصولية الماضوية وبين المستقبلية الراشدة في هذه المنطقة , مما قاد الى استنزاف كل الأطراف .
محور التفكير الديني التكفيري الأصولي مدعي القداسة والمنغلق على ذاته هو صناعة ثقافة الضدية , وبالتالي الحرب على الحياة ,هذا المحور جامد وعاجز عن التفاعل الخلاق مع ظروف الحياة المتجددة , انه محور محارب عنيف ومتنكر لكل ماهو جديد , محور حارب الزمن طوال ١٤٤٠ سنة, وحرب الزمن تعني محاولة القضاء على المستجدات التي يحتاجها كل زمن,قتل المستجدات يعني البقاء في حقبة قديمة وكأن شيئا لم يتغير في تلك القرون , الغاء الزمن هو أمر يرفضه العقل والتاريخ , ومن يرفض الزمن وحيثياته يضع نفسه خارج التاريخ.
ماذا انتجت شعوب الايمان وخير أمة من واقع؟ ,أو ماذا بقي من واقع تلك الشعوب بعد تآكل البنيات السياسية الاجتماعية الاقتصادية , وبالتالي الوقوع في العجز حتى في مجال الأمن الغذائي , ثم النجاح في بناء انسان الاذعان المؤهل للعبودية والتصحر السياسي -الاجتماعي, ثم السقوط في مطب الجهل والغيبية والخرافة الخ ,هل علاج الشعوب لتلك الاشكاليات بالهروب والتملص من المواجهة بالتذرع بالمؤامرة كان ناجحا؟ , او التشدد في رفض الحداثة ,حتى الحقد على الذات وكراهية الذات الممثلة لثقافة الانكسار والانحسار او الانتحار او نزعة العدمية او نزوة الموتكان نجاحا !, بقي واقعيا القسر وتحلل البنى الاجتماعية ثم القهر والأمية والتوحش ..سوف لن يتسع المجال لذكر كل ما تبقى , ولكن يمكن اختصار الاشكالية بسؤال , هل تعرف حياة البشر في دول المنطقة ما هو ايجابي ؟ , حتى الدول البترولية ستصاب بالفقر والتعتير والتأخر بعد جفاف النفط , و في زمن النفط عرفت بعض شعوب المنطقة مثل الشعب الايراني فقرا مدقعا , الى أن وصلت قيمة العملة الايرانية الى الصفر , بالرغم من وفرت الثروات الباطنية , مما جعل دخل الدولة مرتفع جدا بينما دخل الفرد منخفض جدا الى مستوى صعب التصور.
تمثلت الملالية الايرانية بافقار الشعب واستعباده بشكل مروع من اجل البقاء في عصر الفتوحات أو ماسموه عصر تصدير الثورات , باعوا النفط باسعار متدنية لشراء الأسلحة وللتسلح بقصد التمكن من الاستيلاء على عدة عواصم عربية ,بعد أن اصبحت الملالية مصدرا للفشل وعدم الاستقرار تحولت الى خطر على نفسها وعلى جيرانها وعلى المجتمع العالمي, وأصبح من الضروري تدميرها , ودمرتها اسرائيل وأمريكا وغيرهم من القوى العالمية والمحلية .
ستكون نتيجة الحرب المشتعلىة الآن تحطيم الملالية وتحرير الايرانيين وجيرانهم من الخوف ومن الفتوحات اي تصدير الثورة , فكما كذب العرب بخصوص الفتوحات عندما ادعوا ان فتوحاتهم حررت الشعوب , كذب الملالي عندما ادعوا انه من واجبهم تصدير ثورتهم لتحرير الشعوب ,” ثورتهم ” لم تكن ثورة انما العكس من الثورة , فالولي الفقيه لايثور ولا يتقدم ولا يحرر انما يستعبد ويقتل ويتعصب دينيا ويستولي على اربعة عواصم لأربعة من دول المنطقة !.
من يتعرف على التاريخ يجد ان علماء الفرس كانوا الشعلة التي حاولت اضاءة الطريق للعرب البدو لكي يتقدموا , بالنتيجة تم لفظهم وذبحم جميعا,لأن البدوية لم تستوعبهم ولم تفهمهم , ومن بقي منهم تأسلم وانتقلت خصائص البدو العرب الى وجدانه ,انقلب الفرس المستعربة على فارسيتهم كما انقلب الشاميون على شاميتهم والمصريون على فرعونيتهم والاكراد على كردبتهم, وهكذا… , تحولت نفسية الفتوحات الى نفسية تصدير الثورة , التي لاتعرف حدودا لكيان الولي الفقيه , كما لم يعرف الخليفة القريشي حدوا لكيان الخلافة ,التعصب للمذهب كان القاسم المشترك بينهم , كما كان ايام علي وعثمان او يزيد والحسين , العنف والموت كان سبيلهم الى الحياة الى جانب الحوريات, الفشل والفقر كان نهايتهم, مع وجود فرق زمني كبير بين الفارسية المستعربة خاصة بعد عام ١٩٧٩ وبين عرب الجزيرة, الذين سرقوا ونهبوا المناطق المفتوحة بينما سرقت ونهبت الفارسية المستعربة المتأسلمة باطن الأرض وبترولها , جميعهم افقروا الناس وسلبوا شعوب المستعمرات حريتهم ومالهم وفرضوا الجزية عليهم , حتى ان ملالي ايران طبقوا نظاما ماليا شبيها بالخمس الخاص بغنائم الحرب ايام الخلافة القريشية .
بالرغم من طول حياة الخلافة القريشية وقصر الملالية , الا أن الفشل بدرجات مختلفة كان مصيرهم جميعا ,لاشك بوجود فروق بينهم كالفروق بين السنة وبين الشيعة ثم بين امراء وملوك الخليج , الذين “تأمركوا” جزئيا ولا يزالون يعيشون في الرخاء الراسمالي , ويستضيفون الملايين من العمالة العربية والاجنبية ,بينما لانعرف عن المالي الايراني تشغيلهم لعامل فقير واحد من فقراء المؤمنين من بقية دول الجوار كسوريا ولبنان ومصر والأردن وغيرهم.
تحتاج مقارنة حركة الفتوحات القريشية مع حركة تصدير ماسمي بالثورة الملالية الى المزيد من التفنيد والتحليل , الذي سنحاول طرحه في مقالات اضافية, بالمختصر يمكن القول أن التركيبة الاجتماعية الدينية في ايران أفسدت حياة ١٠٠ مليون مستعرب فارسي , كافساد العروبة الدينية لحياة ٤٥٠ مليون مستعرب شامي او مصري وغيرهم , ارتكب الملالي تدميرا ذاتيا أشبه مايكون بالانتحار الديني ,الذي تم تبريره خرافيا بالانتصار المستمر على الحياة أي بالموت أو ما سموه استشهاد , موتهم كان ضروري وشرط من شروط خرافة ظهور المهدي , وما هي فائدة ظهور المهدي عندما يجد من ينتظره ميت , يعجز أي عقل عن استيعاب وفهم قناعات واعتقادات وخرافات لامثيل لها حتى في كربلاء !.
Post Views: 6