م.بيطار ,روبا منصور :
من يريد لمس ظاهرة الاخونج اي الدين السياسي وفهمها ,عليه الاجابة على عدة اسئلة اولها او آخرها هل الاخونجية عقيدة دينية او انها عقيدة سياسية ? هنا يمكن القول ان الاخونج سياسي يوظف الدين وليس ديني أصلا , ومن أكبر الاخطاء اعتبار الاخونج جامعا بشكل طوعي للسياسة مع الدين , لأنه لايمكن جمع الضديات مع بعضها البعض في بوتقة واحدة , لقد ادعينا في العديد من المناسبات انه لادين في السياسة ولا سياسة في الدين , كما انه لاتطور في الثابت ,ولا ثبات في المتغير, ولا وجود لمؤمن كافر او كافر مؤمن , ولادوغماتيكية في البرغماتيكية ولا براغماتيكية في الدوغماتيكية,ولا يمكن انتظار نتائج مقبولة من الجمع القسري بين الدين وبين السياسة, لاينتج جمع الضديات مع بعضها البعض سوى تشويه اقطاب تلك الضديات .
يمثل الدين المحمدي عمليا واقعة تاريخية في حين يمثل الاخوان واقعة سياسية توظف الدين في الوصول الى أهدافها , لايمكن تحديد عمر واقعة السياسة المستغلة للدين بعام ١٩٢٨ ,قد يكون عمر هذه الظاهرة حوالي ١٤ قرنا , الدين مدونة لنوع من الأخلاق في حين ان الاخوان مدونة لنوع من السياسة , التي تهدف للهيمنة على غيرها , لاحدود لحجمها وحدودها باعتبارها اممية , وسائلها للوصول الى اهدافها كانت التقية والتمكن , بالمحصلة العنف والقمع والقتل والذبح والاخضاع .
يمكن القول ان الاخونج بجمعه القسري الوظيفي بين الروحانيات والماديات مثل حالة فصامية ( شيزوفرينيا ) , خاصة في عصر الدولة اي منذ حوالي ٥٠٠ سنة , لقد كانت هناك خلافة , والخلافة ليست دولة , انما كيان استمد شرعيته من الشريعة , تجلى الفصام بنقاط اخرى مثل نقطة ثنائية المواطن -الرعية , حيث تعرف الدولة المواطن وتعرف العشيرة الراعي والرعية , ثم ثنائية اخلاق الطاعة -قيم الحرية الضدية في ذاتها , ثم ثنائية القضاء والقدر الالهي – ارادة الانسان ,حيث يلغي القدر الارادة , وتلغي الارادة القدر , ثم تسويق المواطنة اي مفهوم الوطن- الكيان , الكيان ليس دولة انما ممثل لما قبل الدولة , وبينهما في هذه المنطقة فارقا زمنيا من حوالي الف سنة , لم يكن مفهوم الدولة معروف قبل ١٤٤٠ سنة , مفهوم الدولة ومؤسساتها ولد في القرن السادس عشر تقريبا , وتبلور أكثر بعد اتفاقيات فيستفاليا , أي أنه مفهوم اوروبي حصرا ,لا علاقة له بالخلافة مضمونا وتاريخيا , في الدولة هناك عدة سلطات مستقلة , اما في الخلافة فلا وجود الا لسلطة الهية يمثلها ابن عبد الله والخلفاء من بعده , الذين ادمنوا على الشريعة النزواتية , التي لايعرف لها اتجاها محددا وصيغة مفهومة او حتى معروفة ,تخضع الشريعة للفقه , والفقه يعكس نزوات وارادة ومصالح رجال الدين , اداته الفتاوى التي تثير الغثيان حتى الاقياء عند التعرف عليها , مثل فتوى الشيخ ابن عثمين بضرورة الغسل بعد نكاح المرأة وعدم ضرورته بعد نكاح البهيمة ثم فتاوى نكاح الوداع بعد وفاة المرأة او شرعية أكل لحم الميت الكافر وعدم شرعية أكل لحم الميت المؤمن, ثم قضية اذن الدخول الى الجنة ومسح الذنوب والكثير الكثير مما لايتسع المجال لذكره .
نتواجد في عصر الثورات اي عصر التغيرات العميقة الجذرية , ولكن الثورة ليست جزءا من عقيدة الدين الاخونجي , التي تفرض طاعة ولي الأمر ,ثم اشغال المخلوق البشري المؤمن بمهمات الاهتمام بالطقوس وممارسة التعبد والجهاد في سبيل الله اي استعمالات السيف وممارسة الاخضاغ بعد تكفير الآخر وتشريع سلبه ونهبه وحتى قتله لأتفه الأسباب , فمن ينسى صلاة الفجر يقتل على يد والده حسب دساتير الاخونج اي الشريعة , هنا يتجلى الفصام في اوضح صوره , نعرف أن شعوب الجزيرة العربية كانت مبتلية بداء الغزو اي القتال والحروب , ويحكى عن مئات الألوف من القتلى , وبكل تأكيد كان هناك من ترك صلاة الفجر , ولكن التاريخ لم يسعفنا بمعلومات عن عدد المذابيح المتوقع بسب ترك صلاة الفجر , حتى في البدايات وفي هذا العصر لايذبح تارك الصلاة عمليا , اي ان ماكتب وقيل عن العديد من العقوبات المرهبة كان مجرد ثرثرة مزاجية كالعديد الأحكام الأخرى مثل النزاواتية المتناقضة مع بعضها البعض في شروط الدخول الى الجنة, وتناقضات التعامل مع المرأة , فكيف يمكن جمع لكم دينكم ولنا دين مع اقتلوا المشركين الخ , أو امرت أن اقاتل الناس حتى يشهدوا الخ , لايكمن وراء تلك التناقضات والعديد غيرها تفكير ممنهج ووجهة نظر محددة انما نزواتية بامتياز.
تتطور البشرية باتجاه العولمة بشكل مضطرد ,وبشكل لايتلائم مع طبائع المحمدية , التي تميزت منذ بداياتها بالعزلة والعلاقات السيئة مع الشعوب التي تم فتح اراضيها واصبح على سكانها دفع الجزية عن يد وهم صاغرون او الأسلمة او القتال , لم يكن هناك علاقات ودية مع احد باستثناء الحبشة التي منحت بعض المؤمنين الحماية لأسباب انسانية ,يتطلب تطور الوضع العالمي باتجاه العولمة استعداد الثقافة المحمدية لممارسة التفاعل الايجابي مع الغير كشرط من شروط الانتماء المنتج للعالم, اي الشراكة في صناعة حضارة عالمية , ولكن التاريخ المحمدي كان ولا يزال مدمنا على العداء والعزلة وتصورات غرور خير امة ,هنا يمكن توقع صعوبات كبيرة مع العولمة , لقد فشلت الثقافة المحمدية في اقامة علاقات بناءة مع كل دول العالم وأخطأت في تفسير نزعة شعوب العالم الانسانية تجاه المآسي والنكبات التي حلت بشعوب المنطقة وعطالة الحس الانساني العربي , الذي لم يفهم الدافع الانساني للاعتراض على مجازر غزة , لم يتظاهر طلاب جامعات العرب على مايحدث في غزة بينما تظاهر طلاب جامعات الغرب , لم يتظاهر طلاب جامعات الغرب نصرة للسنوار وحماس انما اعتراضا على التقتيل الجماعي كفعل ليس انساني , العرب عموما لايدركون الفرق بين الانساني وبين السياسي ,لربما لضمور في انسانيتهم , كلنا نتذكر تمظهرات التشفي يوم ١١-٩ , بعد ١١-٩ زعم البعض انه في ذلك اليوم تم اختطاف الدين من قبل ارهابي بن لادن , وبعد ١١-٩ يمكن القول ان الداعشية اختطفت الدين وكذلك فعل حزب الله وغيرهم ,لكن الواقع التاريخي لايبرهن عن كون تلك الاختطافات مرحلية او طارئة , التاريخ يبرهن على بن لادن والظواهري ثم ابوبكر البغداداي واشباههم وتلاميذهم لم يأتوا بأي جديد مقارنة مع الممارسات في السنين الهجرية الأولى وطوال القرون الأربع عشر الأخيرة .
تعيش شعوب المنطقة في حالة تأزم مستمر لأنها تتأرجح بين نموذج الحياة البدوية الرعوية اي الزعامات العشائرية والدينية وبين النموذج المدني الضامر جدا عند شعوب المنطقة , اي نموذج الحياة المدنية القانونية ونظام التوازن بين الحقوق والواجبات اي نظام المواطنة , الذي لايعمل بالحقوق الممنوحة انما المكتسبة اي أن يعيش الانسان من عمله وليس من مكرمات الرئيس او الامير , نظام المكرمات يقود الى التزلم والطاعة , الذي ينسجم مع النفسية الاخونجية المستوردة من الماضي العشائري ” المجيد “ماضي الغزوات وغنائم الحرب
Post Views: 391