اشكالية الوطن الشكلي والهوية الشكلية !
روبا منصور , مفيد بيطار :
لا أكثر من الهويات الطارئة في سوريا , اليوم تتصارع الهوية السورية الأساسية التي يبلغ عمقها التاريخي حوالي ٧٠٠٠ مع الهوية العربية المذهبية الطارئة التي بلغت من العمر ١٤٤٠ سنة تقريبا , والتي احتضنتها سوريا كما أحتضنت غيرها مثل الرومانية والبيزنطية والفارسية …الخ , ذهبت كل الهويات الطارئة , أما الهوية العربية- الدينية فترفض الذهاب الى ذكريات التاريخ , وذلك بالرغم من ضحالتها الحضارية وفشلها مقارنة بغيرها .
لاوجود لجوهر ثابت للمعالم التي ترتكز عليها الهوية الوطنية أو هوية بلاد وشعب , في حين ان جوهر الهوية الوطنية بالنسبة لكل وطن محدد ثابت , فهوية الانسان بشكل عام هي أمر لاعلاقة له بالولادة انما بالاكتساب والخيار ,القوانين الوضعية في مختلف دول العالم تحدد بعض الشروط لاكتساب الجنسية التي تتطور وتتحول الى شكل أكثر تعقيدا هو الهوية , بعد الاقامة خمس سنوات في دولة أوروبية يصبح الانسان فرنسيا أو ألمانيا الخ , حتى أنه لاكتساب الجنسية السورية شروطا مماثلة , عندما يتجنس الانسان سوريا ,على هويته أن تصبح هوية سورية …هكذا بكل بساطة .
عندما لاتتطور الجنسية الجديدة الى هوية جديدة يحدث الخلل , وتتحول الجنسية الى “اذن” اقامة دائمة في البلاد أي مساكنة دائمة , وهذه المساكنة محفوفة بالعديد من المخاطر , وأكبر المخاطر تتمثل بممارسة المواطنة الشكلية , انه سوري شكليا ويعمل من أجل دولة أخرى , وهذا هو أمر العروبي الديني حقيقة , هذه المواطنة الشكلية حولت الوطن السوري الى وطن شكلي انتهى باقترابه من الاندثار .
عودة الى الهوية السورية والعربية وتناقضاتهم وتوافقاتهم , فالأمر لايتعلق برفض أو تفبل الهوية العربية , وانما بالمحاولات القسرية لفرض هذه الهوية العربية على ألآخرين بعد فشلها الذريع , لقد تعايش معظم السوريون هذه الهوية طوعا لمدة طويلة جدا , رحبوا بها وأعطوها العديد من الفرص وغفروا لها أخطائها وتعاونوا معها , وليس من العجيب أن تخطئ العروبة ويخطئ العروبيون , ولكن من العجيب أن لايتعلموا من أخطائهم ,لقد فشلوا وأفشلوا البلاد معهم من خلال ممارسات قاصرة خاطئة ومدمرة , بالرغم من ذلك يصرون على عربنة البلاد تحت راياتهم , فالعروبة كثقافة مسيسة تحولت بحد ذاتها الى هدف , ولم تعد وسيلة للوصول الى هدف آخر يتمثل بالرقي والتقدم والحياة الأفضل .
بالرغم من الفشل الفاضح يجب سؤال العروبيين عن أفكارهم الجديدة بخصوص الوصول الى أهدافهم , وما هي هذه الأهداف ؟ , وكيف يريدون الوصول اليها ؟ , مع الأسف لانسمع شيئا محددا عن وسائل الوصول الى الأهداف , الا القول بأنهم عرب ويفخروا بذلك ويعتزوا بعروبتهم , وسينتصروا على المؤامرات وعلى الأعداء , كيف ؟؟ومن هم هؤلاء الأعداء ؟؟؟وما هي الخطة التي ستضمن الوصول الى الأهداف , هل بالاعتباطية والتهور؟, الذي قاد الى الفشل وقضى على آمال وأحلام العديد منهم, خاصة الوحدة العربية التي شكلت محور وجوهر اهتماماتهم , السعي لتحقيق هذه الوحدة انتهى بالتمزق , بالرغم من ذلك يصرون على مواقفهم وعلى الاستمرار في التمزق .
لايبرر العروبيون ضرورة العروبة كسياسة بنجاحاتها , وانما بكونها صفة عرقية تمتد جذورها الى ماقبل التاريخ الاسلامي , عمليا لاقيمة لهذه التبريرات , لأن المهم هو نجاح التجربة بغض النظر عن جذورها العرقية والتاريخية , ثم أن تلك الجذور كانت هزيلة ضعيفة بدائية ومتأخرة , من يفكر مليا بالحاضر المتأخر الهزيل , يظن وكأن العروبيون نجحوا في مساعيهم الرامية الى استنبات تأخر وهزالة الماضي في الحاضر, لقد نجحوا في استحضار التأخر الى الحاضر .
أول من أنتج سوريا بحدودها الحالية كان سايكس-بيكو , اذ تم تأسيس الاتحاد السوري سنة ١٩٢٢ والدولة السورية ١٩٢٥ الى الجلاء ١٩٤٦ ,من الملاحظ أن الدولة المستقلة عام ١٩٤٦ سميت الجمهورية السورية ولم تسمى الجمهورية العربية السورية , ادراكا من النخب الفاعلة في ذلك الوقت بأن سوريا ليست انتماء وهوية للعروبيين او بالأحرى المستعربين فقط , وانما هي انتماء لعدد كبير من الفئات والشعوب التي وجدت قبل وبعد ١٤٤٠ سنة .
اقحام صفة “العربية” حدث في فترة الاختطاف العربي , حيث تم سلخ سوريا من مكوناتها الأخرى قبل وبعد الرسالة الدينية وتطويبها باسم المكون العربي والمستعرب , لقد أصبح من المفروض على الكردي والتركماني والفينيقي ….الخ أن يحمل بطاقة مكتوب عليها اسم المدعو عربي سوري , أي عربي رغما عن أنفه , قبل ذلك قيل في الهوية “سوري ” فقط , عندما كان السوريين سوريون , كان الوئامم والتفاهم بينهم بالرغم من أصولهم المختلفة , العروبة اتلفت التفاهم والوئام وحولته الى تشرذم وخصام .
من لاتاريخ له ليس له حاضرا أو مستقبلا, لاوجود في تاريخ هذه البلاد الا قاسما مشتركا واحدا هو ” سوريا” لمن عاش في هذه البلاد منذ أقدم العصور ولحد هذا اليوم , لاعلاقة للانتماء السوري والهوية السورية الأساسية بأي طارئ تاريخي كالوجود العربي الذي دام ١٠٠٠ سنة أو الوجود الروماني , الذي دام ٧٠٠ سنة أو غيرهم , لاعلاقة للانتماء السوري والهوية السورية بالعرق أو الجنس أو الدين أو العشيرة , انما فقط بالجنسية التي تمثل قانونيا نوع الانتماء للمجتمع الذي يشكل الدولة , لاوجود في المجتمع لمن هو أصيل ومن هو دخيل , فكلنا دخلاء أو كلنا أصلاء !.
Post Views: 303