سمير صادق, سيريانو سيريانو :
لايمثل التعرض لما قامت به تركيا العثمانية نبشا عدميا في الماضي , انما تعرضا ضروريا لتطورات ومشاكل آنية وحديثة ومؤثرة بشكل عميق على حاضر ومستقبل البلاد السورية ,الاهتمام باقتطاع اجزاء من سوريا من قبل تركيا أمر طبيعي , فالمواطن السوري مهتم باحتلال اجزاءا من وطنه ومن واجبه الدفاع عن كل جزء من هذا الوطن , من واجبه ايضا الاهتمام بالسورييين , الذين ساعدوا تركيا في احتلالها لهذه الأجزاء , هؤلاء استحقوا اسم المتعثمنين الجدد , وما فعلوه بهذا الخصوص ليسس الا خيانة للوطن , اي أنهم بمثابة طابورا خامسا تركيا أو عثمانيا في الوطن السوري , عرف القانون السوري هؤلاء وحدد نوعية وشكل العقوبات التي يجب تطبيقها عليهم على اعتبارهم خونة للوطن السوري , انهم عثمانيون منتحلون للهوية السورية ,
للعديد من الأسباب فشلت الدولة السورية , من هذه الأسباب اشكالية المواطنة السورية , التي يجب تعريفها من جديد لكي يتم اقامة سوريا الجديدة , عندما لايتمكن السوريون من صياغة تعريفا واضحا لمفهوم المواطنة السورية والوطن السوري والمواطن السوري ,لالزوم لتصور سوريا الجديدة , ولا لزوم للعمل من أجل سوريا الجديدة , لأن الجديدة ستفشل عندئذ كالقديمة .
ظروف قيام الدولة السورية “القديمة” بعد الحرب العالمية الأولى كانت أكثر تيسيرا من ظروف الحاضر , في ذلك الوقت لم يكن لسوريا دوليا سوى الأصدقاء المتعاطفين معها ,والآن ليس ليس لسوريا سوى الأعدءا, قرفا منها ومن سياساتها وتصرفاتها .
من هم هؤلاء العثمانيين ؟ انهم قبائل رعوية عاشت في شمال غرب الصين متنقلة من مكان لآخر ومتصادمة مع بعض القوى الأقليمية , في اطار التنقل وصلت هذه القبائل في منتصف القرن الثاني عشر الى منطقة آسيا الصغرى,هنا أسس عثمان غازي السلطنة ,التي نسب اسمها اليه , توسعت سلطنة عثمان غازي في ظروف مناسبة كظرف ضعف الدولة البيزنطية , مما فتح الطريق أمام غزوات البلقان في منصف القرن الثالث عشر , وفي عام 1453 تمكن السلطان العثماني محمد الثاني من احتلال القسطنطينية واسقاط الدولة البيزنطية ,وبذلك تمكنت البربرية من اسقاط حضارة روما الشرقية , كما تمكنت بربرية القبائل الجرمانية من اسقاط روما الغربية , ومثلها فعلت قبائل بدو صحراء الجزيرة العربية ببلاد الشام .
في اطار غزو أوروبا من قبل العثمانيين كانت هناك انتصارات وانهزامات , الانهزامات كانت بصورة خاصة أمام روسيا والنمسا , مما دفع العثمانيين للتوجه شرقا وجنوبا في القرن السادس عشر , أي الى فتح بلاد الشام وشمال أفريقيا , لقد فتحوا واحتلوا وتملكوا , ووضعوا الشعوب في حالة نوم قسرية كنوم أهل الكهف , اكتفت الدولة العثمانية بالتحصيل عن طريق الوالي …لقد كان هناك مايسمى “السروجي” الذي كان عليه جمع المال في الولايات المختلفة ,يمكن اختصار علاقة العثمانيين بشعوب بلاد الشام بعدة كلمات , فتح تملكي , استغلال , بربرية , جمود وتأخر !
لايمكن تمييز الاحتلال العثماني عن غيره , الا بكون العثماني ممثلا للشر المطلق , والاستنزاف المطلق , والاستغلال المطلق والتأخر المطلق بوجوه مختلفة , لقد كان العثمانيون فاتحون , بالرغم من عدم استقامة فتح بلاد مسلمة لبلاد مسلمة أخرى بقصد نشر الدين , فالدين منتشرفي بلاد الشام , مضمون الفتح في الحالة العثمانية كان التملك , اي تملك بلدان أخرى كغنيمة حرب , وبذلك استهلاك البلاد وشعبها لصالح آل عثمان , والى الأبد كما ظنوا , لقد استخدم العثمانيون وعلى الأخص المتعثمنون من الشعوب الأخرى كل وسيلة للكذب والتضليل , لقد ادعوا حماية الشعوب من الصليبيين , عندما لم يعد هناك صليبيين ,قاموا بناء على طلب خطي من مشايخ حلب بتحرير سوريا من المماليك , الا أن عملية السلطان سليم لم تكن تحريرا انما استعمارا بديلا لاستعمار المماليك , يشبه هذا الأمر احتلالات بدو الجزيرة لبلاد الشام , الذي كان تصنيفه كتحرير ليس سوى كذبة كبيرة , لم يكن تحريرا انما استعمار تملكيا ومن أقبح اشكال الاستعمار , لذلك منعت عصبة الأمم ممارسة الفتوحات بعد الحرب العالمية الأولى.
العامل ألأهم في تقبل سكان بلاد الشام للفاتح المحتل المتملك العثماني كان العامل الديني , الذي تم طرحه في اطار ضرورة الالتزام بمبدأ الولاء والبراء , المسلم يناصر المسلم على أي حالة كانت ضد الغير,خاصة ضد من اعتبر كافرا , يسمح الولاء والبراء للمؤمنين دعم تصرقات اخوانهم من المؤمنين حتى لو تضمن الأمر احتلال مؤمنين لمناطق مؤمنين آخرين , وعلى هذا الأساس تم تقبل الاحتلال العثماني , وتقبل طرق تعامله مع أهل بلاد الشام , لقد وضع العثمانيون بلاد الشام في حالة تأخر لم يعرف التاريخ البشري مثيلا لها ,بالرغم من ذلك تم تقبله من قبل اخوتهم المؤمنين من أهل بلاد الشام , بالرغم من الاجرام والاستغلال العثماني لبلاد الشام لم تندلع طوال ٤٠٠ سنة اي ثورة ضدهم , بينما كانت هناك بين عام ١٩٢٠ وعام ١٩٣٠ ثلاثة ثورات ضد الانتداب الفرنسي بعد الحرب العالمية الأولى.
من الصعب توصيف حالة النوم على طريقة أهل الكهف ثم العزلة التي فرضها العثمانيون على شعوب مستعمراتهم , عزلة دامت على الأقل ثلاثة قرون , الى أن جاء نابوليون الى مصر محتلا عام 1798 ومعه المطبعة والعلماء , هنا بان التخلف والجهل الذي تم فرضه على الشعب المصري , لقد كانت المفاجأة بمثابة صدمة حضارية للمصريين , فبينما كانت سفن الحملة الفرنسية ترسوا على شواطئ الاسكندرية, كان قادة جيوش المماليك يؤكدون بأنهم قادمون لسحق الفرنجة تحت سنابك خيولهم , لقد ظنوا بأن الفرنسيون قدموا الى مصر للحرب بالسيف, ولكن عندما سمع المماليك أصوات المدفعية تعوذوا من الشيطان واتشرت مقولة “ياخفي الألطاف , نجنا مما نخاف ” بين الشعب .
لايدعي المقال مقدرته للاجابة على كال الأسئلة التي وردت في مقدمته , الا أنه من الضروري التنويه الى تشابه أكاذيب الفتح العربي لبلاد الشام مع أكاذيب الفتح العثماني لبلاد الشام , لقد رفع الفاتحون العرب العديد من الشعارات ,منها شعار تحرير بلاد الشام من الاحتلال الروماني -الفارسي , ووضع البلاد تحت الاحتلال البدوي ,وكأنه كانت هناك منفعة أو فائدة من استبدال الاحتلال الروماني بالاحتلال البدوي ,الشبيه بالاحتلال البدوي العثماني , ففي كلا الحالتين كانت اشاعة التأخر والجهل هي الشعار الحقيقي ,في كلا الحالتين كان هناك تطورا الى الأسوء !
