الوطن والمواطنة ..خلل

لقد اصطنع الانسان حب الأطان , ليس لسبب في نفس يعقوب ,وانما  كممارسة تضمن  للانسان نوعا من الأفضلية النسبية , المواطن في وطنه ملك ,والوطن هو ملك للمواطن  والانسان يحافظ  غريزيا على ملكيته وملوكيته .

من هنا كان من الضروري ان ترتشح هذه العلاقة بمزيج  نفعي – وجداني يحرم الخيانة ويفرض الأمانة ..الوطن أمانة في أعناق مواطنيه , انه مسؤولية  يجب التحلي بالمقدرة على تحملها , وبالمقابل يعمل الوطن على جعل المواطن ليس مالكا  فقط وانما ملكا  , وحتى لو كان الوطن  مزبلة , فملك المزبلة أفضل من المذلة!! , سيد في جهنم الوطن أفضل من عبد جنة الغربة!!.

تلك هي الاطارات التقليدية الكلاسيكية للمواطنة والوطن , ولطاما سارت الأمور في طريق يحافظ على النفعية المتبادلة , طريق يؤمن للمواطن حقوقه , يقوم المواطن عندئذ بواجباته ويحترم وجدانية العلاقة …بشكل وبآخر انها شراكة على السراء والضراء !.

سير الأمور  بشكل غير مقبول , ووجود واقع يخل في مبادئ  وجدانيات العلاقة ويؤمن امكانيات لشراكة جديدة  ,يقود الى تغييرقواعد التعامل , المواطن -الانسان  يتحول الى  الانسان -المواطن , أي ان صيغة المخلوق البشري كانسان غير مرتبط , تتقدم على صيغة المخلوق البشري كمواطن مرتبط  , وبهذا تتقلص روابط المواضنة , لتسمح للانسان بالبحث عن روابط بديلة  , ومن ينظر الى بعض الشعوب يجد ترجمة لهذا الوضع ..ففي لبنان يعيش حوالي ستة ملاين مواطن , وستة ملاين أخرى من اللبنانيين وجدوا أوطانا أخرى , حيث يصبح ,على سبيل المثال ,لبناني المولد أمريكي الجنسية , يشارك في الانتخابات  كمرشح او ناخب , ليصبح نائبا أو حتى رئيسا للجدمهورية , وطن المولد لايحترم هذه الطموحات  , اذ  أن رئاسة الجمهورية اللبنانية تتطلب مسيحي  , ولكي يتمكن شخص رئيس جمهورية الأرجنتين السوري المنشأ , رئيسا لجمهورية مولده سورية , عليه أن يكون مسلم, وهذا الأمر يجد له تطبيقا  مماثلا في العديد من جوانب الحياة ..سياسيا ..اقتصاديا .واجتماعيا , مما يقود الى اختلال المعادلات والموازنات , تهتز وجدانية  ونفعية علاقة المواطن بوطنه   ,يفكك المواطن من ارتباطاته باحثا  عن ارتباطات جديدة , يؤمنها له عصر العولمة , عصر تحول مواطن الاقليم  والدولة  الى مواطن العالم ..الدولة الاقليمية فقدت الكثير من نفعيتها ووجدانيتها , ليكسب العالم كل ما خسرته الدولة .

العلاقة بين المواطن السوري ووطنه متأزمة  بشكل مطلق والى حد الطلاق  , فالوطن يطلب من المواطن أن يعيش أكثر من أربعين سنة في قمعية لامثيل لها , ثم يطلب منه عشرات السنين الاضافية منتظرا ان يتم اصلاح ما أفسده الدهر , والانسان يعيش بشكل وسطي حوالي سبعين عاما  , أي أن الوطن يطلب من المواطن قضاء أكثر عمره في التعاسة وما بقي من العمر في انتظار السعادة , التي لربما لاتتحقق , فالثقة والصدق ليسوا من شيم الواعد , الانطباع هو ان هناك من يتوعد, مستخدما خدعة جديدة وكذبة جديدة ..وضع يكتنفه التشاؤم  وعدم الثقة !.

المواطن يسأل نفسه في لحظة من التأمل ,لماذا عليه دفع سعر لايمكن تصوره لبضاعة هي أصلا ملكا له , كالحرية مثلا  , أطنان  من الدم  وبحور من  الذل  والمهانة والاستبداد, هم سعر لحرية ممارسة غريزة الكلام  , وفي وطن آخر يستطيع الاانسان أن ينهل من الحرية حتى التخمة ,وكيف هو الحال مع الملك على مزبلته , حيث أصبح جلالته في هذا الوطن  جزءا من الزبالة , وموضوع السجون والشجون  وسلخ الجلد وسرقة المال وانتهاك العرض  ومصادرة الأرض وقتل العقل ومنع الفكر , وكمامة الفم , وقلع العين وقطع الأذنين ,ثم اقتلاع الأظافر وقتل الأطفال, ومنع ممارسة التنفس , ثم  احتكار البعض للهاتف  والمعرض وحتى المعرص , حيث تباع رقاب الناس وتحبس الأنفاس ..لماذا تطلب ياوطن مني كل ذلك ؟, وماذا تقدم لي  ؟, أقدم لك الامكانية في أن تصبح  زلمة اوصعلوكا أو قاذورة وفي أيامنا هذه جرثومة أو فأرا ., أي بكلمة أخرى حيوانا, فلك  العلف مع قطيع المرتزقة   , ثم مكاسب احتقار الغير واهانته وسرقته والكذب عليه , وعندما أقول  للوطن ,لا يا وطني , أريد أن أبقى انسانا  , عندها ينفجر الوطن الفاجر غيظا ..الى المحجر يا خائن الوطن ,الى التعليق على سقف السجون  كالعجل المذبوح لتلقي الصدمات الكهرائية ..السوط والكرباج في الزنزانة …ومن حالفه الحظ آل الى المهجر ..كما ترون انقلبت الآية ..لقد أصبح الهروب الى المهجر حيث السعادة , بديلا محترما  عن المكوث في المحجر حيث التعاسة  , ومن يريد تصوير الأمر بشكل وردي جميل ومزيف  عليه بالنظر الى أعداد الهاربين في المهاجر , لقد حركت الحياة “الأفضل” في المهجر ما لايقل عن ثمانية مليون سوري للهجرة الطوعية أو الهروب القسري , وفي زمن الأزمة الحالية ينتظر  بيت المال السوري من المهاجرين المغتربين قسرا  ارسال ملياراتهم (أكثر من 100 مليار  دولار)  الى الوطن لانعاش اقتصاد اللصوص , حيث لم يبق  شيئا في الوطن للسرقة, رامي جد واجتهد ووفر من كده وعرق جبينه أكثر من ستة مليار دولار , رفعت كان أكثر حرصا على ماله , حيث وفر من خلال وظيفته كضابط في الجيش أكثر من تسعة مليار دولار , وحظ الوطن بجميل لم يكن أسوء من حظه برفعت , والآن يأتي حمشو ومخلوف آخر , حيث وفر هذا من خلال وظيفته في أمانة الجمارك اطنانا من الدولارات , في عصر الحالات المتردية , لا ضرر في حقنة جديدة بمقدار مئة مليار ,حيث يوزعها اللصوص على بعضهم البعض, ويعدها يخلق الله  ما لاتعلمون !

ألا تخجل أيها الوطن من طلب كهذا ..ألا تخجل أيها الوطن من دعوة الفقراء والمساكين الى ايداع ماعندهم من فتات  مادي لدعم  عملة الوطن  التي سرقها وبهدلها  من يدعي حمايتها ؟؟أما كان من الأجدر بك أيها الوطن أن تمنع السرقات , وأن لايتنصب  النصابة واللصوص كأولياء على مقدرات الوطن ..أكبر اللصوص ينال أكثر الاحترام ,ولا أريد ذكر أسماء اضافية معروفة للملأ ..هذه هي شراكة مقيتة أيها الوطن الحبيب , ومعذرة !!لا أستطيع تهنئتك على  مواطنة من حولك الى مزرعة خاصة , مع ملحق القواويش  لما يقل عن عشرين مليون من القطيع , ليس هكذا تبنى الأوطان !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *