ما الذي يريده بشار برهوم؟!

 حسام جزماتي:

Syrian Revolution Caricature كاريكاتير الثورة السورية - بشار الأسد يغرق في دماء السوريين عمل للفنان المقداد الدخيري | Facebookحاز هذا الرجل الخمسيني لقب “ناشط” بسبب عدم وجود وصف أكثر دقة له. فهو لا ينشط إلا للذهاب إلى الدوام في وظيفته الحكومية البسيطة والعودة إلى قريته المنسية بريف جبلة. كان من الممكن أن يعرَّف بأنه “صانع محتوى” لولا أن الفيديوهات القصيرة التي يبثها من منزله تخلو من أي صناعة. وكان من الوارد النظر إليه كإنفلونسر لو كنا نعرف تماماً مدى تأثيره وعدد متابعيه في بيئة لا نملك فيها أدوات قياس، خاصة مع تقلبه بين الصفحات التي تقرصَن وتُحذَف وتهمَل ويَفقد الوصول إليها!

لكن خزعات متفرقة من سبر درجة وصول تسجيلاته، والتفاعل معها، كفيلة بأن تمنحه صفة تمثيلية للمجتمع الذي يعيش فيه ويتكلم لهجته بتعبيراتها المحلية، ويعبّر بحرارة عن همومه؛ الكهرباء والمازوت والدولار والبطاقة والغلاء وعماد خميس. وهو ما أغراه يوماً بالتفكير في رفع درجة هذا التمثيل إلى وضعية رسمية هي عضوية مجلس الشعب، قبل أن يتراجع عن ذلك سريعاً.

ما هو غير عادي في شخصية بشار برهوم، المواطن العادي، هو انتسابه إلى حزب سياسي هو الحزب السوري القومي الاجتماعي. غير أن هذا الانتماء لا يبدو فاقع الحضور في بثوثه التي كثيراً ما تحمل اعتداداً سورياً بات مألوفاً في الخطاب السائد. كما أن بعض فيديوهات برهوم يعلي من شأن الأفكار اللادينية، والرافضة للطائفية، إلى درجة تتجاوز مسلمات وطقوس وأعراف البيئة المحيطة. لكن سامعيه يحملون هذا الأمر على أنه تمسك صلب بالعلمانية، وهو أمر ليس مرذولاً تماماً لديهم، خاصة أن استهدافاته المعلنة تسدد على الوهابية والدواعش، وتفيض أحياناً إلى “حاضنتهم” العربية الإسلامية، بحسب درجة حماسة “أبو أسعد” وانفعاله بهذا الحدث أو ذاك.

وفي حديثه هذا لم يتورع عن الوقوع في خطاب كراهية مناطقي شامل، فشبّه جبل العرب بأنه “جبل الجرب”، متكلماً عن “هوية عميلة”، مؤكداً أنه ما هكذا تورد الإبل “يا سويداء”. قبل أن يُلحق كل ذلك باستدراك شكلي باهت من نوع “لا أعمم”

إذ لا يبدو أن برهوم يعدّ كثيراً قبل أن يتكلم. ولعل هذه العفوية النسبية من أسباب نجاحه، بالإضافة إلى الجمع بين الظرف والسخف واللغة المثقفة البيضاء والبساطة. ولا يظهر أنه يرمي من فيديوهاته إلى أمر أبعد كثيراً من “فشة الخلق” تجاه الأوضاع الصعبة التي يعيشها الساحل وعموم مناطق سيطرة الأسد، الذي يأتي ذكره على لسان برهوم مصحوباً بعبارات التبجيل المناسبة. ما يجعل من وصف “المعارض”، الذي يطلقه عليه بعضهم، تعريفاً غير دقيق للرجل الذي أعلن مراراً أنه موالٍ “للدولة” ورئيسها “الملجأ والملاذ” وجيشها “العظيم”، وأنه “تحت سقف الوطن السوري”. غير أن بعض لحظات النزق التي أظهرت أن رأس برهوم تناكف هذا السقف هي التي أوحت لبعض وسائل الإعلام بأنه معارض.

والحق أن جمع برهوم بين متناقضات، أو تحركه صعوداً وهبوطاً على سلّم درجات متفاوتة من الشكوى، ربما كان إحدى الصفات التي تزيد شعبيته، عفوياً، في بيئة حائرة بين أمشاج عديدة من الهويات، كما بين أخلاط متنافرة من المواقف السياسية بعد “حرب” مدوّخة.

فمثل من يعبّر عنهم، يلقي مدخن “الحمراء الطويلة” باللوم على الحكومة وعلى وزرائها المترابطين في منظومة فساد تجعلهم “دواعش الداخل”. مطالباً “السيد الرئيس” أن “يقبعهم” من مناصبهم، فهم لا يخالفون تعليماته ويكذبون عليه فقط، بل هم “الطلقة الأخيرة” في بندقية “أعداء الوطن”، الذين يستغلونهم لهدم البلد الذي فشلوا في هزيمته!

غير أن رأس النظام بدّل حكومات ووزراء كثر خلال “الأزمة”. والسؤال الذي لا يطرحه برهوم، ممثلاً عن هذه العقلية، هو ما السر الذي يدفع رئيساً على هذا القدر المزعوم من الحكمة والوطنية والنيات الطيبة إلى تعيين الفاسدين كل مرة؟! يسكت برهوم هنا عن الكلام المباح، لا بدافع الخوف فقط وإنما بفعل التناقض بين الولاء للنظام ورؤية مخازيه.

أما التنافر الثاني الذي يمكن للمرء أن يلحظه في الخطاب فهو تفاوته بين درجة من العقل والتهذيب، وفيهما يحوز برهوم درجة أعلى من المتوسط، وبين الانجراف إلى البذاءة في الخصومة. حين لا يتورع عن وصف معارضي النظام بما هو رائج من افتراءات جهاد النكاح، والتساهل في العِرض بتقديم النساء كي ينكحهن الشيشاني ومن هبّ ودبّ، والاتهامات المتطايرة بالمثليّة. مع ما يستدعيه ذلك من صور مبتذلة مفبركة على برامج تركيب الصور.

ولعل هذا ما حدث مع برهوم، لفظياً، حين بث مؤخراً تسجيلاً غاضباً وأطول من المعتاد عن احتجاجات السويداء. فقد هاجم المشاركين هناك بعنف، متقلباً بين تشبيههم بالدواعش وبين إحالات إلى عمالتهم لإسرائيل التي يضم جيشها متطوعين دروزاً. وفي حديثه هذا لم يتورع عن الوقوع في خطاب كراهية مناطقي شامل، فشبّه جبل العرب بأنه “جبل الجرب”، متكلماً عن “هوية عميلة”، مؤكداً أنه ما هكذا تورد الإبل “يا سويداء”. قبل أن يُلحق كل ذلك باستدراك شكلي باهت من نوع “لا أعمّم”، مطالباً “شرفاء” السويداء بالأخذ على يد “الزعران” الذين قاموا بفعل “إجرامي” حين أحرقوا مبنى المحافظة وقتلوا “عنصر الأمن” ومزقوا صور “الرموز الوطنية”، وهنا يقصد حافظ الأسد وابنه بشار.

أما حين أضاف إلى الحديث مقارنة مع جبلة، التي تعاني من الأزمة المعيشية أيضاً لكنها لا تكسر حتى زجاج “مبنى للدولة” لأن أهلها “وطنيون”، فقد فتح الباب واسعاً أمام التأويل الطائفي لخطابه ودوافع حنقه.

يجمع برهوم كل هذا، وبشكل تمثيلي؛ التذمر والولاء؛ التهذيب والبذاءة؛ نبرة التعقل ونترة التوحش؛ الطائفية والعلمانية؛ نداء الحفاظ على “الدولة” وشعور الدفاع عن الجماعة. تتصارع هذه المعالم لدى برهوم وتتنافس وتتبادل السيطرة على اللسان والقلب والعقل، ولا يصحّ اختزاله إلى واحد منها وإن كان بعضها أمتن من الآخر وأعمق غوراً.

والضياع للأمة!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *