تعلم من زار المدرسة في الخمسينات على أنه مواطن سوري , ووطنه هو سوريا , الأمر تغير بعد ذلك ليتحول المواطن الى عربي أولا وسوري ثانيا , والوطن الى العربي أولا والسوري ثانيا , الأسماء الجديدة هي مواطن عربي سوري في وطن عربي سوري , والفرق بين الماضي وما بعده لايقتصر على تغيير شكلي للأسماء, وانما تغيير اشكالي بامتياز أصاب الانتماء السوري بجروح عميقة , فمن حيث المضمون كان على أجزاء عديدة من الشعب السوري تقبل تغيير انتمائها ليصبح السوري ثانويا والعروبي أولا , أما المضمون أو القلب فقد أصبح قومي عربي اسلامي , عربي في أهدافه وقوميته واسلامي في تشريعاته …كدين الدولة ودين رئيس الجمهورية , ثم قوانين مختلفة من أهمها قانون الأحوال الشخصية الذي ينظم العديد من الأمور حسب الشريعة بالدرجة الأولى …تعدد الزوجات .. الارث … الطلاق …النفقة .. التزاوج بين أفراد من طوائف مختلفة … جرائم الشرف ..الخ .
لم يعترف المفهوم القومي العربي والهوية العربية بالقوميات والهويات الأخرى , كالقومية أو الهوية الكردية أو حتى السورية في سوريا , مما قاد الى التصادم والحروب والتهجير وانتزاع الجنسية واقامة الأحزمة حول المناطق الكردية,خطوات كان المقصد منها “تعريب” المناطق الكردية , أي على الأكراد والسريان والآشوريين والفينيقيين وغيرهم أن يصبحوا عربا , والا تحولوا الى خونة , وعقوبة الخيانة الافتراضية معروفة, وفي العديد من الحالات تمت تصفية الخائن الافتراضي , وحتى السورية القومية كانت هدفا للتربية العروبية الجديدة , تعرب أو اهرب !! ومن لايهرب ولا يتعرب عليه الوقوف على الحائط لكي يستقبل قلبه رصاص الاعدام , هكذا أعدموا أنطون سعادة بعد محاكمة دامت عدة ساعات , ثم أعدموا حزب سعادة بعد تلفيقة اغتيال عدنان المالكي, العروبة لم تكن لطيفة ولا رحيمة , بل كانت قاسية وفاجرة ومتوحشة , وفي توحشها تفوقت حتى على آل عثمان .
ترافقت محاولة اضفاء صفة العروبة والهوية العربية على باقي الهويات في سوريا , مع نشوء حركات انفصالية , رفضت أن تتعرب وتتنكر الى انتمائها الذاتي , فالقومية والهوية الكردية لاتريد أن تتحول الى قومية وهوية عربية , لذا تطورت الاشكالية الى محاولة الأكراد اقامة دولة خاصة بهم ,أي استقلالهم بعد انفصالهم , أو بكلمة أخرى الانقسام , مما أشعل نار الحروب التي لم تخمد حتى يومنا هذا, العروبيون يتهمون الأكراد بالانفصالية , فهل هذه التهمة مصيبة ؟ وهل الأكراد انفصاليين أو أن العروبيين انفصاليين ؟؟ .
الانفصالي هو من خلق الأسباب الموجبة للانفصال , فالانفصال نتيجة وليس هدفا بحد ذاته , ومن خلق الأسباب الموجبة للانفصال كان العروبيون عن طريق محاولة اغتصابهم للانتماء القومي الكردي وتعريبه قسرا وارغام الأكراد على تبني الهوية العربية , العروبيون وضعوا الأكراد أمام خيارين , اما التعرب أو الحرب , والحرب تشتعل بين فئات لايجمهم أي رابط ايجابي …انهم أعداء !! , والأعداء منفصلون عن بعضهم البعض بطبيعة الحال,فرض هوية انتمائية على الآخر يعني اغتصابه ومحاولة ارغامه على التجنس بجنسية الآخر , الذي لايريد ذلك , ولم يكن بمقدوره تقويم اعوجاج التسلط القومي العربي ومحاولة تحييده ,لذا لم يبق له سوى خيار الانفصال , وذلك حماية لانتمائه واحتراما لذاته , فالمسبب لكل حركة انفصالية هو مرض الهيمنة أي هيمنة فئة على أخرى ,انه مفهوم سيادة الهوية العربية على بقية الهويات , لا حق لأي فئة حتى ولو كانت أكثرية الغاء هوية وانتماء الآخر , الغاء الانتماء القومي او الهوية أو الوجداني أو الديني هو عنصرية , مارسها العروبيون بقدر كبير من الجهل والعنف
Post Views: 632