ما بيطار:
واقعيا أجد قاسما مشتركا بين عام ١٩٢٢ وعام ١٩٤٦ , لاتقتصر دلالات عام ١٩٢٢ على الاستقلال فقط , انما تشمل تأسيس الدولة السورية بمساحة تعادل ١٨٥ الف كم٢ , وبعدد من السكان لايتجاوز ١,٥ مليون , وضعت الدولة الوليدة الجديدة تحت الانتداب الفرنسي , اعترف المجتمع الدولي بهذه الدولة , وكان لهذه الدولة وافر من الامكانيات , التي تضمن لها التقدم والرقي والرخاء , ولكن يبدو وكأن السوريون توهموا بالظن بأن الاستعمار , ان كان عثماني أو فرنسي أو بدوي , كان ذو منبع خارجي فقط , لذلك سعى السوريون لانهاء تواجد الانتدابي الفرنسي , ونجحوا عام ١٩٤٦ في ذلك , بعد ذلك تبين لهم وجود استعمارا داخليا أشنع من الاستعمار الخارجي , وتبين لهم أيضا بأن حقبة ربع القرن الفرنسية , كانت , بالرغم من عيوبها العديدة , من أفضل الحقبات السورية بعد عام ١٩٢٢ وحتى قبل عام ١٩٢٢.
توهم السوريون بأنه أصبح لهم دولة , في الحقيقة كان مشروع دولة فقط , ولكنه مشروع بمواصفات جغرافية وبشرية جيدة, ومهيأ ليحقق قيام دولة حديثة قوية متماسكة , ولكن للأسف لم يعرف مشروع هذه الدولة في القرن الماضي سوى صيغة التراجع والتآكل والتردي , خاصة بعد عام ١٩٤٦ وعلى الأخص بعد عام ١٩٥٨ وعام ١٩٧٠ وحتى الآن , اذ وصلت سوريا الآن الى حالة غير متوقعة من التفكك والاندثار , السبب الرئيسي كان دائما التوهم والأوهام والتصورات الخاطئة والخطوات السيئة والسياسات البالية , فالقوى التي تحكمت في سوريا خاصة بعد عام ١٩٤٦ كانت قوى قومية عربية واسلامية عربية ( أممية), مهووسة بالانسجان في الماضي والتقوقع به ومحاولة بعثه من جديد .
,
التوهم هو أقصر الطرق الى الفشل , توهم السوريون بأنهم جزء من أمة عربية واحدة خالدة من المحيط الى الخليج ,وبأن الوحدة خلاصية , انها الحل على نمط الاسلام هو الحل ,الوحدة جاهزة لأننا نحبها الى درجة العشق المراهق , وذلك بغض النظر عن الحاجة لها أو حتى امكانية تحقيقها , انها في القلوب المفتتنة بها , لاينقصها سوى اعلانها , انها بديهية تلقائية عفوية ومنطقية , هناك وحدة القلوب بين مورتانيا وقطر , هناك لغة واحدة بين السودان ولبنان , عادات وتقاليد مشتركة , حتى الأحلام اعتبرها السوريون مشتركة بين الجزائري والكويتي الخ
لم يدرك السوريون أو جهلوا طبيعة هذا التاريخ المشترك في الأربع عشر قرن الماضية , لقد كانت شراكة مستعمرات بمستعمر واحد , اقتصر التاريخ المشترك على كون سوريا ومصر واسبانيا وبلاد الفرس وغيرهم مستعمرات تحت سطوة الأمبراطورية العربية ومن بعدها الأمبراطورية العثمانية , مع عدم وجود فروق اساسية بين الأمبراطوريتين ,
لم تكن هناك وحدة نابعة من الداخل بين مراكش والدوحة , انما وحدة ادارة امبراطورية جزيرية غريبة عن المغرب وعن الدوحة , التوهم لم يسمح بادراك الفرق بين وحدة ادارة الشعوب والمناطق المحتلة , وبين وحدة هذه الشعوب النابعة من ذاتها , وليست المفروضة عليها من قبل مكة او انقره, الأمر بمجمله كان توهما والتباسا ,والوهم شمل الهدف والأسلوب والسبب .
لاتبرير لمساعي التوحيد بكون البلدان المعنية بالأمر كانت موحدة قبل عشرات القرون , لقد كانت موحدة ولم تكن واحدة , النفعية الشخصية كانت المبرر الوحيد لمساعي التوحيد , الذي عليه أن يكون عملا عقلانيا مفيدا وليس عملا عاطفيا مراهقا ,عملية التوحيد معقدة , وعلى طرق واساليب التوحيد ان تكون علمية وناضجة , خبرة ١٩٥٨ بالوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا كانت خبرة بمنتهى السوء والفشل , ما بقي من التجربة المحبطة في الذاكرة الجمعية ليس سوى القنوط وخيبة الأمل ,الوحدويون كانوا بذلك أول من أساء للوحدة ومفهوم الوحدة , انتهت وحدة المراهقة والطيشنة . ونهايتها انهت التفكير الوحدوي الى أجل غير معروف
