تمثل الثقافة النقدية أهم الثقافات, والنقد يخص كل شيئ مقدس أو مدنس , التقديس مجهض للنقد , لذلك يجب الغاء التقديس .
شهدنا صعود التيارات الاخونجية التكفيرية , المعادية للفكر والابداع , ولكل ما هو متطور وجديد , ثم صعود التيارات العروبية ا االمخونة للآخر , التي حاولت بالاشتراك مع التكفير الديني المكفر للآخر القضاء على الثقافة النقدية , وعلى المثقف النقدي , الذي تم تشويهه بتهم منها تهمة الخيانة ثم الكفر وازدراء الدين , وبالتالي محاولة استتباب أمر التخوين كرديف للتكفير .
تكمن ضرورة العقلانية , التي تحتضن الثقافة النقدية , في تفسير الخراب الذي أصاب هذه الشعوب , وفي السعي لاعادة البناء وازالة الخراب بوسائل عقلانية , اثبتت جدارتها في العديد من الدول والشعوب الأخرى التي أخذت بها , المطلوب هو رفض اللاعقلانية , التي تحكم شعوب المنطقة في كافة المجالات , ان كانت سياسية أو اقتصادية , أو تنموية , أو اجتماعية , أو عسكرية , أو ثقافية الخ , تعميم اللاعقلانية قاد الى كل ذلك التأخر الذي نلمسه اليوم , والى كل ما تعاني الشعوب منه , مثل اغتيال الحريات والديكتاتورية وتبرير الجهل لابل نشره ثم توسيع الاستبداد السياسي والديني والطائفي ,العقلانية هي ضرورة من ضرورات الحداثة , التي تقوم على العديد من الأسس , منها العلمانية والعلمية ودولة القانون وحقوق وواجبات المواطنة بشكل عام , العقلانية ركيزة رئيسية من ركائز العلمانية , التي لايجوز اختصارها بثنائية الالحاد والايمان , ولا يجوز اعتبارها منهجية نهائية او انها نهاية التاريخ , غاية العلمانية هي خلق الانسان المستقل بفكره وقراره , ثم بناء المجتمع الديموقراطي , الذي يفصل بين الدين والدولة بحكم الضرورة , ويمارس حرية التعبير وحرية الضمير , التي تشمل حرية الاعتقاد وحرية عدم الاعتقاد , ثم الأخذ بما جاءت به من أحكام منظومات حقوق أالانسان التابعة للأمم المتحدة والمجتمع الدولي .
لاتنطلق سيرورة الحداثة من الجماعة والجموع التي يفترض على انها متجانسة , لاتجانس حقيقي واقعي , انما تجانس شكلي افتراضي , تجانس يترجم القهر والقمع والاستبداد , الجموع لاتعرف سوى الاختلاف المضاد للتجانس , الذي لاوجود له واقعيا , مايقال عنه تجانس , ليس سوى اعلان مزور عن حالة لاوجود لها في الحياة العملية , التي لاتعرف أكثر من الاختلاف , عدم المقدرة على العيش في الاختلاف بدون خلاف , هو المسبب الرئيسي لمحاولة الغاء الاختلاف شكليا , الاختلاف من طبيعة البشر , بينما الخلاف والاقتتال ليس طبيعة تستحق الحفاظ عليها .
انطلاقا من كون الاختلاف طبيعة يجب الحفاظ عليها , لذلك يجب اعتماد التعددية كواقع وطبيعة يجب احترامها , لأنها مصدر الابداع ومصدر التقدم , لاتجوز محاولة تجريم الاختلاف , بممارسة الخلاف , لابد هنا من وسيلة ايجابية للتعامل مع الاختلاف , الوسيلة هي المواطنة الواحدة والمساواة , بعيدا عن تجزئة حقوق الانسان وانهاكها بتقييمات مرضية مثل اقلية أو اكثرية دينية ثم روابط الدم والعشيرة والعرق والحسب والنسب والروابط الأسرية القبلية والطائفية .
لاعلاقة لمفهوم الرابطة الوطنية , بالتراث المحلي , الذي لايعرف الوطن ولا يعترف به , تستند قيمة الوطنية والوطن على معطيات الحضارة الانسانية , التي عرفت المواطنة والوطن , والتي اعطت المجتمعات المتقدمة السلام والاكتفاء الذاتي والعدالة والحرية والديموقراطية , لايعرف التراث المحلي مايسمى عقلانية , اذ أنه لاوجود للعقل في رؤوس امة النقل , ولا وجود لثقافة النقد لدى أمة التفاخر والتبجح والغرور , علينا أن نتعلم من غيرنا المتقدم , و ليس في مدارس تحفيظ النصوص المقدسة البالية !
