المقدس وضرورة استباحتة !!
منذ قرن تقريبا يوظف الاخوان المقدس في السياسة كاستمرار لمنظومة الخلافة , التي كانت دين وسياسة , وذلك من أجل تحقيق مكاسب سياسية , كان لهذه النشاطات عواقب ليست بالجيدة ,منها استفحال الارهاب المروج له والمكافأ دينيا ,من العواقب أيضا ازدياد حدة التناقضات أو مايسمى بالتطرف , أخيرا وليس آخرا تشوه أوامكانية تشويه النقد , ليتحول هذا النقد بشكل ما الى “معاق” ومتهم بجريمة ازدراء المقدس.
تمثل تهمة الازدراء المطب الذي يريد الاخوان لناقديهم الوقوع به , اذ لايمكن نقاش أي اشكالية معهم دون حشر الآيات في معركة النقاش , مما يجعل التعرض للآيات أمرا حتميا لامفر منه , التعرض للآيات ومصدرها يقود الى انفلات مكنة التكفير والشتائم الجاهزة, والى اتهام المحاور بتدنيس المقدس واحتقار المعتقد , ثم التهديد المبطن أو الصريح بعواقب هذا النقد او التدنيس او الازدراء , ليصل الأمر الى درجة التهديد الشخصي , وبذلك يتحول نقاش الاشكالية الى اشكالية أعظم , الى المنع والقمع لعدم جواز ما يعتبر تهجما على كلمة الخالق وعلى المقدسات , وفي هذه المرحلة يتم الخروج تماما عن الموضوع ويفشل النقاش كالعادة , حقيقة من يعرض المقدسات للتدنيس هم الاخوان , وذلك بتوظيفهم المقدس في سجالات سياسية غير مقدسة .
كل ذلك معروف, وأسبابه ووسائله معروفة , فالاخوان يحتمون بالمقدس لكونه يمثل بالنسبة لهم الحقيقة المطلقة والوحيدة أيضا , فعقل لايحتوي الا مادة المقدس هو عقل ضيق الأفق واتكالي متطفل على صانع هذه المقدسات , اقتصار امتلاك العقل على مادة المقدس يمثل فقرا فكريا وعقلا مخصيا وعقيما , يقود الى انتعاش نزعة التعالي الشخصي , اذ يشعر الشخص المزود بالمقدس بأنه مقدس أيضا , وكل مايجانب المقدس الفكري والمقدس الشخصي هو مدنس يثير ارتكاسا عدائيا قد يتطور الى ممارسة العنف .
نظرا للوضع المذري الذي وصل اليه العرب ,ونظرا لثبات العلاقة بين الاخوان السياسي ,كعامل من عوامل التأخر العديدة ,وبين السبات الحضاري العربي , وبسبب ضحالة أو حتى عدم وجود نقد ذاتي فعال, أصبح النقد الخارجي الغيري ملحا ومهما وضرورة لامناص منها ولا يمكن الاستغناء عنها , خاصة بوجود التعثر المستمر في تطور ايجابي يتناسب مع تطلعات الناس, أي بوجود مايسمى التطور “المعاق”, لايقف الاخونج تجاه النقد الذي يعريه مكتوف اليدين , لذلك يلجأ الى عدة سبل لاغتيال النقد , عن طريق وصمه بعار التخريب , وبكونه سلبيا هداما !, هنا ينال الناقد حصة غير قليلة من التشويه والتكفير والاتهام بعدم احترام المقدسات , وقد أفلحت هذه السبل في تحطيم بعض النقد وبعض النقاد في العديد من الحالات ,فرج فودة قتيل الرصاص , ونصر حامد أبا زيد يطلق من زوجته قسرا دون أن يريد أو تريد زوجته الطلاق(مفهوم الحسبة) , وسيد القمني يرهب ثم يهرب طالبا الغفران من القتلة ومعلنا التوبة في روز اليوسف , الاخوان أرادوا تعليق طه حسين على حبل المشنقة وقبل سنوات اردى الاخوان ناهض حتر قتيلا, الأمثلة على ممارسات الاخونج ,المتمثلة في الاغتيال والاجهاز على النقد والناقد أكثر من أن تعد .
للنقد أنواع من أهمها النقد البناء والنقد الهدام ثم النقد الممنوع , ومن أهم خصائص النقد البناء علميته وهدفه وديناميكيته ثم موضوعيته وعدم اتصافه بالثابت وانما بالمتحول القابل للتغير , أماالنقد الهدام فيتصف بقطعيته وسلبيته وثباته ومحاولة االنيل الشخصي من الناقد , ثم تجاوزه لحدود آداب الحوار والخروج عن الموضوع , أما النقد الممنوع فله العديد من الأشكال من أاهمها نقد المقدسات التي تسمى اساءة او ازدراء.
لا أظن بوجود خلاف حول تقييم النقد البناء والنقد الهدام , النقد الممنوع هو الاشكالية !!!,المنع تحت أي ذريعة هو بمثابة االسماح المطلق لمؤثرات غير محدودة شكلا وزمنيا أن تستمر في تخريب الظروف المعاشية والحياتية بالشكل الذي نراه ونلمسه هذه الأيام , اذ علينا أن نكون سعداء بالتفرج على استمرار الفشل لكون مسببه مقدس , الى متى ! والى أين !لانعرف حدودا للرقعة المقدس ,الرقعة تتوسع حسب الطلب والحاجة , وتوسع الرقعة يلتهم كل فكر وخاصة الجديد منه ,الثقافة تتكلس وتموت.
لا توجد آلية للتجديد وحماية الفكر الابداعي الا عن طريق احياء وتفعيل الفكر النقدي الشامل ,الشعوب مصابة بكارثة االماضي سلبا وايجابا , من يقول بأن المقدس ورقعته المطاطة يمثل كارثة الفكر العربي هو على حق , تعيش هذه الشعوب ا كارثة تلو الأخرى ولا تتجرأ على تفكيك أسبابها ,لأن مسبباتها تقع في رقعة المقدس ,الذي لايجوز المس به لأنه “مقدس”.
يبدو وكأن الشكل الوحيد المسموح به للتعامل مع المقدس هو احترامه المطلق ,الذي لايختلف عن الاستسلام المطلق له ,وبالاستسلام للمقدس ورقعته المطاطة لايمكن أن ننتظر الا ازدياد الكوارث , هل أجحف بحق المقدس عندما أطلق عليه أسم الجهل المقدس ؟؟ وكيف يمكن التعامل مع الجهل المقدس ؟
لاسبيل الى الخلاص الا عن طريق نزع الهالة المقدسة عن الجهل كمقدمة لابد منها للقضاء عليه , لاسبيل الى الخلاص الا عن طريق مراجعة نقدية علمية للموروث التاريخي , وذلك للتعرف على حقيقة هذا الموروث , وبالتالي يصبح التصالح معه ممكنا , شعوب هذه المنطقة هي الشعوب الوحيدة في هذا الكون الغير متصالحة مع تاريخها والغير متفقة بشأنه والغير متوافقة معه , هي أالشعوب الوحيدة في هذا الكون , التي تنتحر طوعا !
Post Views: 665