سمير صادق :
المواطنة هي تعبير عن حالة حقوق وواجبات أي علاقة مادية طوعية , أما الوطنية فهي حالة عاطفية معنوية اعتبارية وهي الغلاف الغير مادي للمواطنة , لاوطنية بدون مواطنة ولا مواطنة بدون مواطنية , ولكي يمتلك الانسان شعورا “وطنيا” يجب أن تتحق شروط المواطنة بشكل كاف , الخلل بالمواطنة يتبعه خلل في الوطنية الحقيقية .
أخيرا وصلت أوروبا , بعد جهود شاقة الى الكيانات أو الدول التي تؤمن قدرا كبيرا من التوازن بين حقوق المواطن وواجباته, وبالتالي تمكينه من امتلاك الشعور بالوطنية , وذلك لتحقق شروط المواطنة ,كل ذلك قاد الى هيمنة دولة القانون والمساواة , هيمنة القانون لاتتطلب وجود القانون على الورق فقط , انما الأهم من ذلك وجود ثقافة القانونية الانسان , جماعات وأفراد يعيشون الى جانب بعضهم البعض لايشكلون مجتمعا متكافلا متضامنا وقادرا على احتضان دولة بالمعنى الحالي للدولة.
لقد تحولت ألدولة هناك من مفهوم الحماية أي حماية امتيازات البعض , الى دولة الرعاية اى رعاية مصالح الجميع بالتساوي وذلك بغض النظر عن قناعاتهم الفردية أو انتمائهم العرقي أو الديني أو الاثني , ولما كانت المساواة تشمل الجميع , لذلك لم تعد هناك ضرورة الى الاقصاء أو الى طغيان فئة على فئة أخرى , وبالتالي لم تعد هناك ضرورة لاستئصال أي مواطن أو أي فئة , ولا حاجة للتصحيحات الديموغرافية والتغيرات الديموغرافية الهادفة الى الوقاية من التـأزم بين فئات الشعب , الشعب الذي يحتاج الى ديموغرافيية معينة للتمكن من العيش المشرك مع الآخرين , هو شعب غير مؤهل للعيش في دولة وانما في كيان ماقبل الدولة ,عشائر وقبائل وعائلات وطوائف , انزلقت كيانات هذه المنطقة للأسف الى حالة ماقبل الدولة , ليس بسبب الحرب الكونية أو المؤامرة , انما لأن الشعوب لا تملك التأهيل للعيش في دولة أو كدولة , الشعوب في هذه المنطقة مؤهلة للعيش في ظل العشيرة أو القبيلة أو الطائفة.
استعراض سريع للتطورات التي حدثت في هذه البلاد تؤكد ماذكر , فبعد التحرر من الاحتلال العثماني وتأسيس المملكة السورية , ظهرت بوادر تلمس الطريق الى عقد اجتماعي ينظم حياة الأفراد مع بعضهم البعض ومع الدولة , أكد المؤتمر السوري الوطني المنعقد في النادي العربي في دمشق هذه المبادرات, كانت على درجة عالية من التحضر والوعي خاصة في تعريف الماهية السورية والانتماء السوري , الخطوة المهمة الثانية كانت القرار الاداري الفرنسي عام 1925 والذي تم بموجبه تأسيس الأحزاب والجمعيات .
استمر الأمر بشكل مقبول حتى الجلاء الذي تم مرفوقا بقشرة ديموقراطية , وحتى الانقلابات بدءا من عام 1949 وما بعد ذلك لم تتمكن من ازالة مفعول القشرة الديموقراطية الفرنسية بشكل تام , ففترة مابين 1954و 1958 كانت من أفضل الفترات التي عرفتها سوريا , ثم جاءت الوحدة عام 1958, وهذا االعام كان عام الانتحار , حيث توقفت كل الخطوات لتكلملة الجهود القليلة السابقة بخصوص عقد اجتماعي وذلك لمصلحة قيادة فردية, فقدت سوريا بالغاء الأحزاب وحرية العمل السياسي الحرية وأبسط أشكال الديموقراطية , وطغى هاجس أو عصاب الأمن, الذي كانت مهمته ضبط الجمهور ومحاربة المختلف وتكريس الامتيازات لمن يملك السلطة, عام 1958 كان عام النكبة التي تأثرت سوريا بها حتى اليوم .
الحالة السورية تطورت من السيئ الى الأسوء , حتى عام 2011 , حيث بدأ الانهيار الشاقولي ,الذي لم يتوقف لحد الآن بالرغم من توقف وجود الدولة ,وكأن الانهيار يريد محق وجود سوريا من التاريخ والذاكرة , الانهيار لم يكن بفعل زلزال خارج عن الارادة , وانما بفعل زلزال في الارادة , لاتنسجم هذه الشعوب على مايبدو مع “الدولة ” انما مع العشيرةة , هكذا وصلت الشعوب الى الوضع المناسب لوعيها وادراكها , انه وعي وادراك العمامات واللحى ومدارس تحفيظ القرآن ثم خريجي كليات الشريعة الى جانب شعب العسكر والجنرالات من الفاشلين في المدرسة,حثالة المدارس الغير صالحة لأي دراسة جامعية .
هناك أقلية من شعب السوريين , هذه الفئة متمايزة عن شعب الجنرالات والمشايخ , ومغلوب على أمرها في البلاد التي ولدت بها , هاجروا !!!!, هؤلاء مواطنين جيدين في أوطانهم الجديدة , لم يقصر عمر أي منهم لطول لسانه , بينما سبب طول اللسان لبعضهم في الوطن قصر العمر في سجون ومواخير التنخر والموت البطيئ .
كان تاريخ القرن الأخير تاريخ العبث بالوطن وبالتالي بالوطنية السورية , انه تاريخ تنكص سوريا حضاريا وتنظيميا واداريا وسياسيا واقتصاديا واجتماعيا , المسؤول عن ذلك كانت لدرجة كبيرة فئة الهوايش من الجنرالات والمشايخ , الذين حولوا سوريا على شاكلتهم , شاكلة العشيرة وما قبل الدولة , بالرغم من ذلك هناك امكاانية للنهوض الى حالة الدولة , الا أنه لانهوض مع المشايخ والجنرالات , هل هناك غيرهم ؟؟
