لا يخفي على احد ما توصلت اليه البشرية في القرنين الماضيين من تطور هائل في جميع مجالات الحياة ، و خاصة في مجال التطور الصناعي و التكنولوجي و التي تضاهي بصغرها و بدقتها كبر و عظمة عجائب الدنيا السبع ، هذه التكنولوجيا التي حولت العالم الى قرية صغيرة يتم فيها تبادل المعلومات بسرعة هائلة و من منافذ عديدة و مختلفة و خاصة عبر شبكات وسائل التواصل الاجتماعي كإحدى الوسائل التي اتاحت للشعوب المقموعة فكريا للتعبير عما يجول في خاطرها من تراكمات لم تكن مسموح لها بسبب القمع الذي مورس عليها ؟؟؟!!
فيكون المرء على مدار الساعة في نقاشات و حوارات سواء مع الصديقات و الاصدقاء او ضمن نطاق العائلة و الاهل او زملاء العمل او مع صديقات واصدقاء فرضيين على الفضاء اللامتناهي، و تنشأ هذه النقاشات بين افراد او جماعات من خلفيات ثقافية و اجتماعية وسياسية وايديولوجية مختلفة تتراوح بين حوارات هادئة و متوسطة و نقاشات حادة ، تكون قد مرت باساليب و طرق نفسية و مغالطات منطقية دون ان يكون للبعض منا علم بذلك ، و البعض الاخر يشعر ان سير النقاش لم يكن منطقيا ، لكن كيف ؟ و لماذا ؟ دون ان يعرف الجواب ؟؟؟!!!
و قد رصد علم النفس الاجتماعي هذه الظاهرة بدقة و اشار الى نقاط الخلل في تلك المناظرات ، من خلال تيارات متعددة بين علماء التفس في الاشارة اليها ، مثل التيارات النفسية التي أسسها رائد علم النفس ” سيغموند فرويد ” ! فقد افترض أن الإنسان البالغ الصالح يتصرف وفقًا لسلسلة من الدوافع و الرغبات و التي يمكن التعبير عنها بسهولة والتي تقع عادة في إطار العقلانية، وتم ايضاً تفسير الحالات التي يتصرف فيها شخص ما بطريقة غير عقلانية إما كعلامة ضعف أو كمثال لا يعرف فيه الشخص كيفية تحديد الأسباب الحقيقية التي تحفز تصرفاته.
و معرفة و تحليل تلك المغالطات المنطقية ليست وليدة القرون الاخيرة ، انما هي قديمة توقف عندها الكثير من الفلاسفة و العلماء و لكن ليست بمثل هذه الدقة و التحديد الذي رسمه فلاسفة و علماء النفس الجدد في القرنين الاخيرين ؟؟!!
فالفيلسوف اليوناني * أرسطو * قد لاحظ أن القادة السياسيين يكتسبون شرعيتهم وشعبيتهم من قدراتهم الخطابية وليس من التزامهم بقواعد المنطق ؟؟!!
و كذلك فقد لاحظ الفيلسوف
* غوستاف لوبون * بعد دراسته للثورة الفرنسية أن القائد الذي يلجأ للمنطق في خطابه الجماهيري يضحي بشعبيته، مما دفع كبار السياسيين في الغرب خلال القرن العشرين للاستفادة من كتابه
{ سيكولوجية الجماهير } بوضع الجدل المنطقي جانبا والاهتمام بإلهاب حماس الجماهير وإثارة عواطفها لأن المشكلة هنا لا تكمن في استغلال المشاعر فقط!
بل في توظيفها لتحقيق مصالح ذاتية على حساب المنطق وبما يخالف العقل، ولم يقصد بالمنطق هنا المجادلات الفلسفية التي تقبل الأخذ والرد، بل القواعد العقلية المتفق عليها. ويقع هذا الاستغلال المغرض عندما يتعمد أحدهم ارتكاب مغالطات منطقية بهدف التضليل والإيهام ؟!
الكثير من الناسى غالباً ما ينتابها شعور عميق بالفخر حينما تتمكن من فرض و جهة نظرها الشخصية بأي جدال قائم، و اعتقد ان السر وراء ذلك هو محاولاتهم الظهور كاشخاص ملمين بجوانب اي نقاش يدخلوه و في اي موضوع كان ،لانه لو ثبت خطأ وجهة نظرهم ، سيظهرون كاشخاص بلا حجج ولا معرفة، و هو شعور سيء بالنسبة لهم ، و خاصة بالنسبة لمن يدخل النقاشات من خلفية متعصبة و خلفية غزو ، اذا يعتبر النقاش اما الشهادة او النصر ، فيلجأون الى حيل كلامية { المغالطات المنطقية } بهدف التضليل و الفوز حتى لو كان فوزاً زائفاً ولحظياً….؟؟!
و بسبب ملاحظتي اننا في نقاشاتنا الفيسبوكية نقع في تلك المغالطات ،تولدت لدي الرغبة هنا في هذا المقال الاشارة الى إحدى اهم و اشهر المغالطات المنطقية التي تجد لها اكثر من موضع قدم في نقاشاتنا التي يعد اتباع الاديان السماوية عموما و المسلمين خصوصاً من اكثر من يتبعها بقصد او بدونه ، الا وهي مغالطة {{ رجل القش. The straw man fallacy }}
و يكون هدف من يستخدم هذه المغالطة هو مهاجمة فكرة أخرى هامشية بدلا من الفكرة الحقيقية التي تكون هي عادة موضوع النقاش الرئيسي و كأنه ينازل دمية وهمية من القش باعتبارها أسهل عليه من منازلة خصمه الحقيقي؟؟؟!!!
و تسمية * رجل القش * هذه أتت من العصور الوسطى، حيث كانت تستخدم دمية محشوة بالقش على هيئة رجل لكي تمثل الخصم في المبارزة بالسيف بدل مهاجمة الخصم الحقيقي !!!
مثلاً كقول أحدهم :
كيف تحظى نظرية النسبية لآينشتاين بكل هذا القبول وهي تعتبر أن كل شيء مباح، وأن الأخلاق شأن نسبي يختلف من بيئة إلى أخرى ؟! و الاخلاق معروفة كما نص عليها ديننا الحنيف و عمل بها نبينا …..؟؟!!!
و هو هنا استخدم مغالطة رجل القش حيث عمد الى الخلط بين نسبية آينشتاين الفيزيائية والنسبية الأخلاقية التي تتحدث عن القيم، ولا صلة لها بمجال الفيزياء لا من قريب أو بعيد، ليهرب من الفكرة الأساسية….؟؟؟!!!
أو كأن تقول لاحدهم الحجاب هو امر شخصي تابع لقرار المرٱة نفسها فقط دون تدخل !! فيقول لك و هل تناسيت التبرج و البعد عن الدين و ان حجابي هو سر عفتي !!! فيكون قد نقل الحديث الى العفة و الطهارة بينما انت تحدثت عن استقلالية القرار للمرأة ؟؟!!!
و برأي ان الاسباب هنا ليست بالضرورة واحدة فقط ، فبالاضافة الى ان من يميلون الى استخدام هذه المغالطة ليسوا فقط غير ملمين بكل جوانب الموضوع المطروح نتيجة عدم النضج الثقافي و ضحالته !!!
انما ايضا التربية غير السليمة التي تربوا و كبروا عليها ، تلك التربية التي تعتمد على اساليب قديمة كطريقة الحشو و التلقين و تغليفه بعواطف معينة حتى يجردوا العقل من مرونته و دفعه الى الترهل و الكسل و عدم قدرته مستقبلا عن البحث و التقصي و الاعتماد على المنهج العلمي و التنوع في مصادر المعلومات و المقارنة بينها للوصول الى الرأي الاقرب للعقل و المنطق ؟!
و هؤلاء يكونون عادة عنيفين في ردود افعالهم ، لان محاولة اقناعهم بافكار واراء مخالفة تدفع عقولهم الى الحركة و البحث عن اجوبة ، لكن ترهل عقلهم و فقدانه لمرونة البحث تجعله يتوقف عن التفكير فيبدأ اللسان بقذف الاتهامات و الشخصنة و الشتم ….؟؟؟!!
لقد اشار عالم الاجتماع العراقي الفذ * علي الوردي *
الى هذه الظاهرة في كتابه *
مهزلة العقل البشري * :
إن الذي لا يفارق بيئته التي نشأ فيها ولا يقرأ غير الكتب التي تدعم معتقداته الموروثة, فلا ننتظر منه أن يكون محايداً في الحكم على الأمور.
و كذلك اشار في كتابه * خوارق اللاشعور * :
ينبغي أن نميز بين المتعلم والمثقف، فالمتعلم هو من تعلم أموراً لم تخرج عن نطاق الإطار الفكري الذي اعتاد عليه منذ صغره. فهو لم يزدد من العلم إلا مازاد في تعصبه وضيّق في مجال نظره. هو قد آمن برأي من الآراء أو مذهب من المذاهب فأخذ يسعى وراء المعلومات التي تؤيده في رأيه وتحرّضه على الكفاح في سبيله. أما المثقف فهو يمتاز بمرونة رأيه وباستعداده لتلقي كل فكرة جديدة وللتأمل فيها ولتملي وجه الصواب منها.
ليندا ابراهيم@
