من ديكتاتورية السماء الى ديكتاتورية الأرض …

  عثمان   لي ,سمير   صادق :

        يمكن القول , على أن الطائفية  وليست “الدينية” , هي التي تتحكم بالوعي الثقافي-الوجداني  العربي منذ ١٤٠٠ سنة ,  ويمكن القول أيضا  على أن الكثير من فئات الشعوب  العربية  دعمت الحركات القومية   في نصف القرن الأخير , آملة    الحد من المد الطائفي, أو حتى التغلب على وعي طائفي  أصبح شبه جماعي  ومتجذر في النفوس.
 الا أن ماحدث كان  مشكلة أكبر, ليس بسبب فشل   الحركات القومية  في التغلب على  طائفية الوعي      الجماعية فقط,انما   بارتشاح  الحركات القومية بالوعي الطائفي ,  اذ تحولت تلك  الحركات  القومية  الى  حركات   طائفية   بقالب  مدني , اما القلب فقد  كان   غيبي    بامتياز ,  فالبعث على سبيل المثال ,    تشرب بالطائفية , وأصبح  قناعا   لها , مكن الطائفية  من النمو  والانتشار  , حتى تمكنت من السيطرة عليه  وجعلته  ملحقا أو ذيلا لها , وحيث  ضعفت الطائفية كان هناك من يرى  ضرورة تنشيطها من جديد , وذلك     لتوظيفها  في خدمة  المصالح .
   تحب  الديكتاتوريات   المتألهة   الطائفية والطوائف , لأن   الطائفية    تسمح     باستبدال   البنية السياسية الحزبية   ببنية   أقل تغيرا   وأكثر ثباتا , وهي البنية الطائفية ,   حيث  تطفو     الديكتاتورية  ,التي أصبحت بحد ذاتها طائفة ,على سطحها  مستغلة تناقضاتها الأبدية ,  مما يؤبد أيضا السلطة المتألهة   , التي    لاتخضع    للنقد   لكونها   مقدسة  , كما أنه يوفر  على  السلطة   المتألة  الكثير من العناء    بخصوص    التنمية   ومشاريع   التنمية والتقدم, فالتأخر قضاء وقدر   ,  انه   ارادة   عليا   لايمكن الطعن بها  ولا   يجوز   الطعن   بها   لكونها   مقدسة   ومن    الواجب   الاستسلام    لها   لانها   تمثل   ارادة  الخالق .
 لقد تكونت في العالم العربي في نصف القرن الأخير   عدة  أحزاب سياسية   , ذات أفكار وأهداف جيدة, وقد كان على هذه الأحزاب  أن تنجح في معركة صعبة مع التفكير   الغيبي المتجذر في النفوس والعقول , الا أن  هذه الأحزاب  خسرت المعركة  لأسباب , منها  استسلامها  لما يسمى القائد  الخالد  ,  ظنت هذه الأحزاب على   أنه    بامكانها  امتلاك  وابتلاع   القائد وتجنيده في خدمتها , والعكس كان  النتيجة  , لقد  تملك  القائد الحزب  وحوله الى مطية   للوصول الى أهدافه الشخصية ,التي  كان  من أهمها   الاثراء  والاستغلال .
  اضمحل     الحزب   وأصبح ذو قلب طائفي  وقالب مدني , فالقلب الطائفي  كان مصدر قوة ضاربة  وضرورية   للااستمرار   , القالب المدني كان وسيلة     لتسويق الدجل  الديكتاتوري ,  الذي أصبح     له   اسما  مستعارا   هو   العلمانية   , وهكذا  خسرت الشعوب   كل  شيئ , وربح   القائد كل شيئ ,  تدنى مقام الدولة  وارتفع مقام القائد  , والنتيجة المرة  هي مانعيشه الآن  في العديد من الدول العربية   ,  كم   تحتاج     سوريا   من    العقود    او  حتى   القرون   ومن    التطور   الايجابي  لكي تصل  حتى  الى مستوى  كوريا    الجنوبية ,   التي   كانت    سوريا   في   الخمسينات   متقدمة   عليها.   
 يستمد  النشاط الطائفي  قوته  بشكل اساسي   وعام  من المعتقدات   السماوية  , فلولا   تلك   المعتقدات  لما كانت هناك طائفية,  فللايمان  وللأديان مخزون تاريخي عميق    في  وعي   الشعوب ,     ضخامته  تتناسب  مع  ضخامة الجهل  , فالعلاقة طردية بين  الغيب والجهل  , ولما كان  الجهل   النسبي   من   طبيعة الانسان , لذا فانه من المتوقع  أن تبقى الأديان قائمة   , خاصة  وان هذه الأديان    وافرازاتها الطائفية   مفيدة جدا للبعض , الذي يجد بها   الوسيلة الجيدة  وحتى المثالية  في  تثبيت اركان  تسلط   يهدف الى تجميع  الغنائم  عن طريق السلب والنهب والافقار والاستبداد ,  الفكر  الغيبي  يؤله عموما     ويؤله    الطاغية   ايضا  , وبالتالي    يضمن  بقاء الطاغية      حتى   موته , ومن   بعده  يتم     التوريث , ليس  من   المهم   وجود   الأديان   , المهم    هو   التزام   الأديان في   الفضاء   الديني   وعدم   التدخل   في  الفضاء     السياسي   .    
هناك ظروف خارجية ساعدت على  افراغ الأحزاب السياسية من مضامينها المدنية  , وبالتالي كرست    الغيبية   في   العقود   الأخيرة ,   لا   أعرف   مدى    تأثير    انهيار   الاتحاد    السوفييتي   على   هذا  الأمر   ,    أظن   بأن    البترول   لعب   دورا    سلبيا  وساهم  الى حد بعيد في  دعم   الأصولية  وفي اضعاف  التيارات المدنية  , التي تواجدت  بشكل   رئيسي  في دول لاتملك   بترولا أو غيره من الثروات  الطبيعية   ,هنا يجب  التأكيد  على أن  العوامل الخارجية  ليست أساسية,انما عوامل مساعدة , فالأساس هو العامل الداخلي  الذي تجلى بضعف المناعة الفكرية الثقافية , التي سمحت للعوامل الخارجية بالتأثير على الداخل  , وسمحت للديكتاتوريات بالنشوء  والاستمرار  لعقود عديدة ,لم  تتمكن   الشعوب    بسبب ضعف  وعيها     الجماعي من انتاج    أفضل  من    الخراب   الذي نراه  ونلمسه ونعيش   به   الآن .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *