كما هو حال الرقي والتقدم , كذلك حال الانحطاط , كلاهما لايولد ويتطور في ساعات أو ايام , انما في عشرات أو مئات السنين , ومن يريد جديا نفي أو انكار حالة الانحطاط التي غرقت سوريا بها ؟, فسوريا وللأسف أصبحت حكومة وشعبا معيارا للانحطاط ,تصوروا حجم التفاهة والعقم!, فبعد اربع عشر عاما من اقذر الممارسات التي عرفتها البشرية يتم استبدال اقذر سلطة عرفها التاريخ بأقذر منها , ثم هناك من يطلق اسم “ثورة “على تلك السنين التي قضت على البشر والحجر , وهناك من يدعي جديا ان سوريا تحررت على يد الجولانية , وهناك من يوافق على قاعدة من يحرر يقرر وهناك من يرى ببناء المساجد في الجامعات المهترئة تقدما , في تكليف مشايخ الجهل بمهمة ادارة البلاد تطورا الى الأمام , وفي التحجيب حضارة ,وفي الطائفية بديلا جيدا للسياسة .. الخ
تعيش البلاد في حقبة سوداء مظلمة وظالمة منذ ١٤٤٠ سنة , خرجت من التاريخ عندما دخلت في مواخير الخلافة القريشية والسلطنة العثماني , ومن يخرج من التاريخ لايصنعه , او على الأقل لايشارك في صنعه ,الفاعل هو من يصنع التاريخ وليس المنفعل الخانع المطيع لولي الأمر ان كان خليفة او سلطانا او ملكا او رئيسا , ولو لم تكن هناك حقبة الخمسينات المغلفة بالقشرة الفرنسية الرمادية ,التي تحولت الى بياض ناصع بفعل المقارنة مع مابقي من القرون الأربع عشر , لما كان بالامكان القول أن الانحطاط السوري أمرا مكتسبا وليس ولاديا ,ولما تمكنا من الادعاء بأن السوريين بشرا كغيرهم ,الا أنهم تعرضوا ليس كغيرهم الى تأثيرات فادحة من التراث والماضي , الذي انجب فئران وجرذان قيادات الحاضر الفاسدة الدموية , كانت ولاية الأسدية وكذلك كانت ولاية الجولانية مغلفة بالدينية كالخليفة والسلطان , وهل كان من الممكن ان تمر قيم الخلافة والسلطنة المنحطة على السلاطين الجدد كالجولاني والأسد مرور الكرام! , وهل من الممكن أن يتحول عقم الخلافة وعقم السلطنة الى انتاجية وتقدمية وتطورية على يد مسوخ العصر الحالي ؟ اعتقدنا انه من غير الممكن ان يصل عمق الانحطاط الحالي الى عمق انحطاط الماضي , ولم نعرف حقيقة ايهما أعمق , ولكن بالمقارنة مع بقية مجتمعات العالم لم نجد انحطاطا اعمق من انحطاط ماضي وانحطاط حاضر قطعان الجماعات البدوية او المتبدونة المتحيونة في هذه المنطقة .
الحديث عن حاضر البلاد هو حديث عن الماضي بالنيابة , فالحاضر لايختلف عن الماضي , ولا فرق بين الرئاسة والخلافة, ففي الماضي القريب وبعد نصف قرن من التربية الاشتراكية وباشراف قائد الدولة والمجتمع , وبعد مئات الألوف من مسيرات الوحدة والحرية والاشتراكية, وبعد ولادة شبيبة الثورة وشبيبة البعث وشبيبة الأسد والمادة الثامنة تفاقمت الأزمة , ووقع كثيرون في مطب خداع الاخونجية , تبين ايضا أن ادعاء العلمانية من قبل السلطة ليس الا وهم ونفاق ,وتبين أنه لا أثر للاشتراكية ولا للوحدة ولا للحرية , تبين أن الحاكم لص قاتل ومجرم محترف , تبين أن هناك مخلوق سوري يقول , اما أنا أو أحرق البلاد , عبارة لم يفصح عنها حتى نيرون , تبين ايضا أن البلاد أصبحت مستنقعا للفساد , ومشروع الدولة فقد كل معالم الدولة , لاقانون ولا أمن ولا حريات ولا مساواة ,البلد هو الأسد , الذي تطاول في غروره حتى على لويس الرابع عشر , الذي ادعى أنه القانون وليس الدولة فقط , هكذا كانت سوريا الأسد ملك لأسد سوريا , والآن لدينا سوريا الجولاني التي تختلف بعض الشيئ عن سوريا الأسد بكونها اسوء حتى من سوريا الأسد السيئة , اي تطور من السيئ الى الأسوء.
لقد اكتشفنا أن السوريون لم يفعلوا شيئا للوطن طوال نصف قرن من الزمن , وقبل ذلك لم يتمكنوا طوال اربع عشر قرنا من فعل اي شيئ ,اذ لم يكن السوريون أهل سيف انما أهل قلم ,ارهبهم وأرعبهم السيف واصبح الخوف ممارستهم الوحيدة, الخوف من الاسلمة او الجزية او القتال , الخوف منعهم من التصدي للأسدية قبل عقود من الزمن, وكان عليهم التصدي للفاتحين القريشيين وللعثمانيين قبل قرون , ومع الزمن تعلم السوريون من الاستعمار القريشي -العثماني التلفيق والدجل والكذب وممارسة الخنوع , اضافة الى انتقال اخلاقيات القريشيين والعثمانيين الى السوريين المتبدونين ..عنف ..قتل ..سحل..خوزقة ..طائفية ..فساد ..محسوبية وطفولة سياسية , تجذرت القابلية للاستعمار الداخلي والخارجي في النفوس حسب فرضية مالك بن نبي , لذا لم تكن هناك ثورات او اعتراضات تذكر طوال ١٤٤٠ سنة, الحروب التي لم تتوقف كانت من أجل الأشخاص , وليس ضد الظلم والغيبية والشريعة والعهدة العمرية .
كان عام ٢٠١١ عام انفجار الوضع على يد ثورة مشوهة طفوليا بدون برنامج ومنهجية , لذا قضي عليها خلال أشهر على يد الاصولية الدينية والفصائل المسلحة , بقرار دولي عام ٢٠٢٤ تم ترحيل الاسدية وتسليم السلطة للجولانية لأهداف تتعلق باسرائيل وضرورة التوقيع على اتفاق يضمن تحقيق كل مطالب اسرائيل, لم تتميز الجولانية عن الأسدية بشيئ يذكر , لابل يمكن القول ان السلطة الأسدية كانت أفضل من الفصائل بالعديد من النقاط , وحتى أنه تبين أن الأسدية بالرغم من سوئها كانت أفضل من الجولانية , كلفت تجربة السنين الأربع عشر الفاشلة العدمية البلاد وجودها , ومقتل وتشريد الملاين وتخريب البلاد عن طريق الهدم والانفصال والفساد , لم تنفرد السلطة في القضاء على البلاد , الجميع شاركوا في القضاء عليها , والجميع حولوا البلاد الى ذكريات مفجعة .
قبل أشهر حدث انفجارا دينيا جديدا سمي ثورة , بالرغم من أن الدين لايثور , ولا يمكن اعتبار المشايخ ثوار , هذا يعني حتمية الفشل , اذ لولا التراث الديني وأسلمة الثورة بداية من اواخر عام ٢٠١١ , لما كان هناك ذلك الفشل بعد ٢٠١٢ ثم ترحيل الاسدية على يد الخارج عام ٢٠٢٤ ,من يروج للطاعة والانصياع للدين لايثور ولا يتمرد , والتراثي الديني لايعترف بالجديد اي بالبدع وضرورتها , لأنه ماضوي بطبيعته وعقيدته, لأن الجديد بدعة وكل بدعة زندقة .
كيف سيثور شعب ثقافة الطاعة والانصياع , شعب ثقافة الموت المعاكسة لثقافة الحياة , شعب “الخوف ” المتجذر في النفوس والمترسب في اللاشعور , شعب الجوع والفقر المدقع والفساد المستشري والجهل السياسي او المعرفي والفراغ الثقافي المطلق , نشك بصحة تعبير “ثورة الجياع “, فالجائع يركز كل جهوده من أجل ارضاء معدته , الجائع لايفكر بالحرية واستنشاق هوائها او بالمساواة او بالديموقراطية , قبل أن يموت الانسان جوعا يموت اخلاقيا وطنيا وسياسيا , اذن الجوع كان وسيلة تركيع فعالة, لو لم يصبح الانسان السوري بدويا ناقص الخواص الانسانية , لما تقبل سوى الديموقراطية والمساواة ليس فقط في نصف القرن الأخير , انما في القرون العديدة قبل ذلك .
لم يكن الانسان السوري بتلك الخواص قبل ١٤٤٠ سنة , فقبل ١٤٤٠ سنة كان واعيا وقادرا على أن يكون مع روما شراكة حقيقة انتجت حضارة وتقدم نراه اليوم على الآثار التي تركوها ,منها على سبيل المثال ذلك العمران الرائع وتلك الحياة الثقافية الرائدة مثل اختراع الحرف واختراع أول نوتة موسيقية , منها بناء ١٨ مسرحا عملاقا , تعجز الدول الغنية الآن عن بناء مثيلا لها , ومنها قنوات الري المنتشرة في كل البلاد ,واهمها قناة ديكا بلوس التي بلغ طولها ١٧٠ كم بين سوريا والأردن ,والتي تعتبر اطول نفق مائي في العالم , وأطول من انفاق روما بأربعة اضعاف ,اضافة الى ماذكر حكمت روما من قبل عدة قياصرة من اصل سوري ,ماذا بنى خلفاء قريش وماذا بنى سلاطين آل عثمان ؟ وهل كان في مكة او المدينة خليفة سوري او في الاناضول سلطانا سوريا ,لم يكن طوال ١٤٤٠ سنة سوى التخريب والجمود وتدمير الآثار والتراث السوري , الذي استمر في عصر داعش والشريك الأسدي , ظهرت فضائح الشريك الجولاني في كل مجالات الحياة آخرها كان فضيحة منع بيع المشروبات الكحولية , عجبا كيف يمنع بيع الكحوليات على الأرض وفي سورة محمد وعد المؤمنين “بأنهار من خمر لذة للشاربين” , اي أن الخمر في الجنة مسوح بينما يمنع على الأرض , يبدو ان عديل الجولاني ومحافظ دمشق لم يقرأ كتاب الله , القصد حقيقة ليس الخمر انما عصاب الهيمنة ومصادرة الحريات , فالطغمة المتسلطة لاتخاف من الخمر انما من الحرية .
لانظن أنه بامكان عاقل تأييد علوية بعث الأسد او تأييد سنية الجولاني , الأمر بمجمله لم يكن سوى تجويع وتركيع وخلق البيئة المناسبة للتزلم وللركوع والتكويع من أجل الحصول على بعض المكرمات الرئاسية لاشباع بعض الجياع أو لاشباع جشع البعض من ازلام الفساد والاسترزاق , لذلك ليس من العجب أن تسقط البلاد من الوجود الانساني ويندثر مشروع الدولة !
Post Views: 4