سوريا محطمة , حتى لو توقف العنف ومصادرة الحريات وبقية السلبيات هذا اليوم ,فعملية الترميم الاجتماعي والبنيوي ستكون صعبة جدا , والتكاليف المتوقعة ستفوق مئات المليارات من الدولارات , واعادة سوريا اجتماعيا وبنيانا الى مرحلة الخمسينات ستكون شبه مستحيلة ,النجاح سيتطلب عدة اجيال على الأقل , وسوريا أمام ورطة لانظير لها ,انها ضحية تخريب مستمر منذ أربع عشر قرنا .
لما كان البناء أصعب بدرجات من التخريب , لذاتحتاج سوريا في أحسن الأحوال الى مئة عام للترميم , هذا اذا استطاعت سوريا الحصول على مساعدات شبيهة بالمساعدات الأمريكية لألمانيا (مارشال ) بعد الحرب العالمية الثانية , تصرفات الأسد لم تشجع الغرب على تقديم مساعدات, ووضع الجولانية مشابه لوضع الأسدية, لابل اسوء من الأسدية بخصوص المساعدات من قبل الاتحاد الأوروبي أو الغرب بشكل عام , من روسيا والصين سوف لن تكون هناك مساعدات للترميم , ومن ايران المفلسة سوف لن تكون هناك مساعدات باستثناء القنابل العنقودية ,وحتى تقديم القنابل العنقودية سيتوقف , لأن وجود ايران كدولة سينتهي !.
تحطيم سوريا ليس قدر ولا نؤمن بالأقدار , انه من صنع الانسان , انه من صنع اللاعب السياسي , هناك اللاعب السياسي المعادي لسوريا , ومنطقه الذاتي يحلل له هذا التحطيم , فالقاسم المشترك في العلاقات الدولية , هو تحطيم العدو ونصرة الصديق , وما حدث في السنين الخمسين الأخيرة يمكن وصفه بحقبة صناعة الأعداء , وصناعة الأعداء بلغت ذروتها بعد عام ٢٠١١ , هنا فقدت سوريا كل اصدقائها تقريبا, ولم يبق سوى الفقر والخراب , لم يتم صنع الأعداء لأسباب تتعلق برخاء وأمن وتقدم سوريا , انما للاتجار بهذا العداء وبالتالي الكسب السياسي داخليا , والآلية واضحة , تجريم وشيطنة الغير , ثم ادعاء العداء له , أي أن سوريا بالتحصيل كانت معادية للشيطان الأكبر ومقاومة وممانعة له ,لذا يجب اعتبار الحكم وطني جدا , لما كان وجود الشيطان وهمي , لذلك يمكن اعتبار السياسة السورية بالعداء للشيطان توهمية .
من حولتهم السياسة السورية الى اعداء ! , تصرفوا كأعداء , هدفهم كان النيل من سوريا , وهذا مافعلوه , فمنطق العدو الذاتي يحلل ويفرض تحطيم العدوة سوريا , ومن المنطقي أن يتصرف العدو كذلك , لذا يجب اتهام السلطة السورية بكونها المسبب لتحطيم سوريا ,أي أن السلطة في سوريا ارتكبت العديد من الأخطاء , التي تسبب بالعداوة , أصبح التحطيم شبه كامل,مما يعني انه سوف تكون هناك صعوبات كبيرة في الترميم ,حتى أنه ليس من المؤكد أن تبقى سوريا دولة بالمعنى السياسي والقانوني للكلمة ,أي اندثار سوريا , ليس من السهل التلفظ بكلمة “اندثار” بدون مرارة مؤلمة , الا أن الواقع كذلك , ويجب تسميته بالاسم الحقيقي .
لم يكن هناك خطأ أو اثنين أو ثلاثة ألخ , لقد احتكرت السلطات السورية ارتكاب الأخطاء ,التي انعكست تأثيرا على الواقع السوري, الذي من الصعب ان يكون أسوء , والسلطة السورية خاصة سلطة الفصائل الجولانية مسؤولة عن ذلك , لأنها سلطة مطلقة , لم تشارك أحد في تحمل المسؤولية , لايوجد في سوريا الآن الا جهازا واحدا هو “جهاز الجولاني ”الذي كان ارهابي ملاحق وأصبح ارهابي غير ملاحق الآن بالرغم من اجرامه السابق واللاحق , الجولاني ليس مسؤولا أمام التاريخ ,لأن التاريخ لايهتم بالذباب والأقزام انما بمن ساهم في صنعه ,قد يكون مسؤولا أمام القاضي, لكن لاوجود للقضاء المستقل في شبه دولة تحكم بالشريعة الاسلامية على يد طاغية “اطيعوني “,سيرحل طاغية ” اطيعوني ” برصاصة في رأسه , ومحاولات اغتياله كانت في السنة الاخيرة عديدة .
لارتكاب الأخطاء أسباب , منها التباين بين مايريده الطاغية المؤقت-الدائم وبين مايريد الوطن ,فالوطن يريد الحرية ,والطاغية يريد العبودية , الوطن يريد الديموقراطية , والطاغية يريد الديكتاتورية , الوطن لايريد الفساد , والطاغية أمعن في الفساد مع اخوته وعائلته , الوطن يريد الرغد والازدهار ,والطغاة نهبوا مع ازلامهم موارد الوطن وحوله الى مزرعة , الوطن لايريد الطائفية , والطاغية الغى السياسة لصالح الطائفية خاصة الطاغية المؤقت-الدائم الأموي الاخير , الوطن اراد جمهورية ,والطاغية حولها الى خلافة اموية قبلية , الوطن يريد الانفتاح على العالم ,والطاغية اغلق الأبواب والنوافذ أمام احترام العالم الحقيقي لمشروع الدولة السورية, العالم لايريدالطاغية الأموي لكنه يستقبله ويعطره مقابل توقيعه على تصغير سوريا جغرافيا وافقارها نخبويا, اذ لايريد ايا من النخبة البقاء في هذه البلاد ,لايغرنا الأموي الأخير بلقاءاته مع سياسين من الخارج , والتي حظي بها سابقه ايضا ,اللقاء مع الشعب هو الأهم والشرعية الداخلية هي الأساس , الشعب يريد جيشا وطنيا مهنيا , والطاغية اقتدى بسابقه وحول الجيش الى فصائل ككتائب الأسدية الخاصة ,بقيت الفصائل عقائدية لدرجة اعلى من السابق على طراز الحرس الثوري الايراني ,العقائد كانت حقيقة شكلية مثل البعث سابقا والدين سابقا وحاليا , ويا ليت الجيش تحول الى “عقائدي ” سياسيا ,العقيدة المذهبية الدينية تعني الاقصاء والتناحر ,لا يوجد مجالا في الحياة السورية الا وكان هناك تعاكس بين ارادة الطاغية الاغتصابية وبين ارادة الوطن الحقيقية , هنا نتحدث عن الواقع وليس عن مضمون الخطابات والبيانات .
مر تحطيم سوريا بعدة مراحل منها مرحلة عام ٢٠٠٠ ,هنا كان بمقدور الوريث الانخراط تحت لواء الربيع الدمشقي أوالربيع البيروتي , الا أن مافعله كان العكس , لقد حطم ربيع دمشق وحطم ربيع بيروت , وزج بالربيعيين في السجون ,ولم يحسب أي حساب للربيع العربي , لقد قال عام ٢٠١١ أنه لاموجب لربيع في سوريا , لأن سوريا دولة مقاومة وممانعة , وكأن المقاومة والممانعة هي كل شيئ في حياة الانسان السوري, نسي الرئيس موضوع الحريات والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والفساد , خاصة ترتيب سوريا في قائمة الشفافية(العاشرة من الوراء), ليس لأنه اراد الكذب ,انما لأنه اعتبر كل ماذكر ” هراء ” وهو لم ولن يهتم بالهراء , كم ورد في رسالة لزوجته قبل سنين .
ملؤا الحياة بالسجون والدين ,وأفرغوها من السياسة والحرية ,فمن أجل ارضاء المشايخ بنى الأسد ٨٠٠ مسجدا ومئات مدارس تحفيظ القرآن , التي خرجت أكثر من ٦٠٠٠٠ من المشوهين عقليا ,كان الأسد أصولي متخفي وراء مفردة علمانية,فآخر حصون العلمانية حسب ادعائه كانت حصونه , أما الانتقالي الأموي الحالي فقد اعلن الحرب على العلمانية والديموقراطية ,تخفى الأسد وراء العلوية وجاهر الجولاني بالسنية , كلاهما كان كاذب مستغلا للطائفية العلوية والسنية ,فالانتماء الديني الحقيقي كان للدين الأسدي وللدين الجولاني ,فلا علوية الأسد كانت علوية ولا سنية الجولاني كانت سنية , والشعب الساذج ظن أنه كان هناك ممثلين عن بني امية وممثلين عن بني عباس , لذلك نشطت الخلافات القديمة وكأن السوريون يعيشون في العصر الأموي او العصر العباسي , نشط التكفير ونشطت المجازر في الساحل والجنوب وبدرجة أقل في الشمال الشرقي من سوريا, ولولا قوة قسد العسكرية لتصدرت المجازر الدينية العنصرية في الشرق الشمالي بقية المجازر في الجنوب والفرب. .
لم تبق الأمور على ماكانت عليه قبل عام ٢٠٠٠, انما ازدادت سوءا , طائفية وفساد السلطة انفلتت بشكل كارثي ,وتحول رجال الفساد من مأمورين في زمن الأب الى آمرين في زمن الابن , الأب وضعهم الأب تحت تصرفه وكان بامكانه أحيانا تصفية أحدهم , أما الابن فقد وضع نفسه تحت تصرفهم , لقد أمر الابن على سبيل المثال بوضع رياض سيف في السجن لسنوات لأنه , وهو العضو المنتخب في مجلس الشعب , سأل عن بعض التفاصيل بخصوص ثروة رامي مخلوف , ثم وضع ميشيل كيلو لسنوات في السجن وذلك لحمايته من القتل !!! , ولم يكن باستطاعته وضع من أراد قتل ميشيل كيلو في السجن , ومن أراد قتله كان آصف شوكت, لذلك سجن المجني عليه ,وبقي الجاني حرا طليقا .
بعد عام٢٠٠٠ تزايد العنف والقتل وازدادت سطوة رجال الأمن وتعطل القضاء نهائيا وتحولت البلاد الى مزرعة رسمية لآل الأسد ,انحطاط نظام القائد الخالد ازداد عمقا في ولاية القائد للأبد , كل ذلك ,اضافة الى الفقر والافقار الذي الم بالانسان السوري ولعدة أسباب , منها الانفجار السكاني الفظيع والذي لم تعالجه القيادة الحكيمة ,ولم يتم تشجيع تحديد الانجاب , ولا توسيع لموارد الرزق والعمل , اكثر من٨٠٪ من الميزانية كان للجيش الخصوصي , الذي نال الاسم الذي يستحقه أي كتائب الأسد , اضافة الى ذلك كانت سنين القحف والجفاف مابين عام ٢٠٠٦ و٢٠١٠ ,ثم نسب العطالة العالية جدا , ملايين لم يجدوا عملا, ومن وجد عملا كان راتبه لايسد الرمق ,بالنتيجة تحول الموظف الى محتال مرتشي , لم تهتم السلطة بما يسمى العمق التشغيلي للانسان السوري , فعشرات الألوف من السوريين اعتاشوا من العمل في الخليج , هنا افتعلت القيادة الحكيمة الأزمات مع الخليج ,مما قاد الى اغلاق العمق المعيشي في وجه العمالة السورية في الخليج , تأسست الأزمة مع الخليج على اعتبار الخليج رجعي ومن يعارضه تقدمي ,بالمقابل فتحت القيادة الحكيمة الباب على مصراعيه للتوغل الايراني , الذي اهتم بالعمق الاستراتيجي العسكري وليس بالعمق المعيشي للسوريين , لانعرف سوريا كان يعمل في ايران ويرسل الأموال الى أهله وذويه في سوريا .
لقد ناصبت القيادة الحكيمة العداء لكل العالم تقريبا من أجل محورها الشيعي مع ايران وحزب الله , وحتى لبنان لم يبق مصدر رزق لألوف العائلات الداخلية والساحلية , اذ انفلتت نقمة اللبنانيين على السوريين العاملين في لبنان بعد رحيل الجيش السوري , تجلت هذه النقمة ببعض أعمال العنف ضدهم , والنقمة الشعبية اللبنانة لها أسبابها , التي كانت احتلال لبنان وسرقته ونهبه , والاستمرار في العمل لتخريب لبنان عن طريق مساعدة حزب الله ليقيم دويلة ضمن دولة,لم تكن هناك مفاجأة في كل ماذكر من تطورات كانت اصلا متوقعة كنتيجة للسياسات والتصرفات الخاطئة !
Post Views: 10