ازمة النص وتغيب الفلسفة ….

   لنكن صريحين ونتحدث لماذا العقل السني متقزم وجاهل ومتخلف او بني أمية بشكل خاص كما يحاول بعض السوريين اليوم تلخيص الوجود السني في سوريا ببني أمية ولماذا مازال يغار ويحقد على المذاهب الفلسفية الباطنية ويشمل الغرب في حقده وكراهيته ويخاف تقليده او مجاراته في إنجازاته التي وصلت حدود السماء.

هذا مقال يمد يد العون للقزم السني ويطالبه بالتعملق والمشاركة في عملية التمدن التي سترى النور بعد ذهاب الارهابي محمد الكلب الجولاني.

يرسم المشهد الفكري والسياسي في سوريا ملامح صراع عميق لا يقتصر على السلاح، بل يمتد إلى جوهر المفاهيم الحضارية والفلسفية، وبينما يندفع العالم الغربي في مسارات الحداثة وما بعد الحداثة، يرى الكثير من المراقبين أن المكون السني التقليدي في سوريا يعيش حالة من “التقزم” الفكري، نتيجة ارتهانه لمنظومات معرفية قديمة وأدوات توقفت عن التطور منذ قرون.

أزمة النص وتغييب الفلسفة:

تتجلى مشكلة العقل السني التقليدي في قطيعته شبه التامة مع الفلسفة كأداة للنقد والتحليل،  فبدلاً من إعمال العقل في فهم الوجود، ساد منهج “النقل” وتغليب النص التاريخي على الواقع المعاصر، هذا الارتباط العضوي بشخصية الرسول محمد -الذي يوصف في المأثور بالأمي- تحول من مجرد إيمان ديني إلى حالة من التبعية المطلقة التي ترفض أي تساؤل فلسفي يخرج عن إطار “قال فلان وعن فلان”.

هذا الانغلاق ليس مجرد خيار ديني، بل  نتيجة تاريخية لإغلاق “باب الاجتهاد”، فمنذ اللحظة التي تقرر فيها تجميد الأحكام الفقهية وحصرها في مذاهب وأطر محددة، دخل المكون السني في حالة من السكون الفكري, بينما كان الغرب يتخلص من هيمنة الكنيسة ويفتح أبواب الشك الديكارتي، كان العقل التقليدي السوري يغرق في تفاصيل فقهية تجاوزها الزمن، محاولاً إسقاط نصوص نشأت في بيئة صحراوية قبل 1400 عام على تعقيدات الدولة الحديثة.

الإنسان بين “المركزية” و”التبعية”:

يكمن الفرق الجوهري بين النهضة الغربية والواقع السني في مفهوم “الإنسان”. فالثورة الصناعية لم تكن مجرد اختراع للآلات، بل كانت لحظة ولادة “الإنسان المتعملق” الذي أدرك أنه سيد مصيره، ومع قدوم الحداثة، أصبح الإنسان هو مركز الكون، والمصدر الأساسي للمعرفة والقوة، وحجر الأساس الذي تُبنى عليه الحضارات.

في المقابل، يصر المنهج التقليدي السني على إبقاء الإنسان “متقوقعاً” داخل دائرة التكليف الشرعي الضيقة، المعرفة في هذا المنظور لا تُستمد من التجربة الإنسانية أو البحث العلمي الحر، بل من “الشرع” الذي يحدد سلفاً ما هو مسموح وما هو ممنوع، هذا التوجه يجعل الفرد مجرد “تابع” لمنظومة ماضوية، يبحث عن أمجاد ضائعة في طيات الكتب الصفراء بدلاً من ابتكار حلول لمستقبله.

فخ الماضي وسراب الشريعة:

إن المحاولات المستمرة من قبل التيارات التقليدية في سوريا لإعادة إحياء “فقه الشريعة” كحل للأزمات المعاصرة تعكس عجزاً عن استيعاب التحولات العالمية، فبينما يتحدث العالم عن الذكاء الاصطناعي وهندسة الجينات وحقوق الفرد المطلقة، لا يزال هذا المكون يناقش أحكام الطهارة والجزية وولاية الأمر.

هذا التناقض الصارخ خلق حالة من الانفصام؛ فالإنسان السوري السني يعيش تقنيات الحداثة بجسده، لكنه يرفض فلسفتها بعقله، هو يستهلك نتاج “الإنسان المركز” في الغرب، ولكنه يشتم المنهج الذي أنتج تلك القوة، إن الرغبة في “إعادة أمجاد الماضي” هي في الحقيقة اعتراف ضمني بالعجز عن بناء الحاضر، وهي هروب من مواجهة الحقيقة المرة: أن الحضارة لا تُبنى بالدعوات والتمسك بالنصوص الجامدة، بل بالعلم الذي يضع الإنسان وقدراته فوق كل اعتبار.

الخلاصة

إن خروج المكون السني في سوريا من حالة “التقزم” الفكري يتطلب شجاعة نقدية كبرى، تبدأ من الاعتراف بأن الحداثة ليست مجرد أجهزة ومعدات، بل هي منظومة قيمية تضع العقل البشري في المقدمة، لا يمكن بناء دولة حديثة بعقلية فقهية مغلقة، ولا يمكن للإنسان أن يبدع وهو يرى نفسه مجرد “صدى” لأصوات من الماضي البعيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *