ما بيطار , جورج بنا :
كل شعب يريد أن تكون له في هذا العصر دولة , ذلك لأن منظومة الدولة أصبحت بديهية من بديهيات الحياة , التي تتم ممارستها في اطار دولة المجتمع او مجتمع الدولة , يمثل ذلك ما يسمى وجدان او ضمير غير مكتوب , اذ لطالما الأمر بديهي لالزوم لكتابته , للوجدان بديهية التباين ثم الاختلاف الثقافي الفكري ,المعبر عن واقع المجموعات البشرية ضمن الدولة , الاختلاف واقع يتحكم في التطور الهادف الى تحقيق التقدم والعدالة الاجتماعية , التي لايمكن لها أن تتحقق عن طريق اتجاه أو مبدئ او نظرة واحدة , فالنظرة الواحدة لا تتفاعل ولا تتغير كونها مقدسة , قد تكون بالصدفة خاطئة او مصيبة ! , وتبقى خاطئة او مصيبة لأنها ليست تفاعلية تطورية , التفاعل ضروري من أجل التمكن من التمييز بين الخطـأ والصواب وبين الفشل والنجاح ,وبالتالي تجنب الخطأ وتحقيق النجاح .
عندما تم تأسيس الدولة السورية بعد الحرب العالمية الأولى , كان لها العديد من مقومات النجاح , من أرض كافية مساحة وانتاجا وحدود معترف بها عالميا وعلاقات دولية جيدة , وقد تبين بعد تفحص تطور هذه الدولة الجديدة أن فكرة الانتداب التي اقرتها عصبة الأمم المتحدة كانت بناءة , لأنه بالتقييم الموضوعي المقارن ثبت على أن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية السورية كانت في تلك الفترة بناءة , وبالرغم من علاتها العديدة كانت من أفضل فترات القرن السوري الأخير , لم يكن من المنتظر ان تكون أفضلها ! , الا الواقع يفرض الاعتراف المؤلم بأن هذه الفترة كانت الأفضل في الحياة السورية في القرن الأخير , مقارنة مع ما يسمى الحكم الوطني بعد الاستقلال التام عام ١٩٤٦.
كانت هناك عدة صعوبات ومعيقات بعد الاستقلال , منها قضية العقد الاجتماعي المنظم لعلاقات الناس مع بعضهم البعض ومع الجغرافيا , لم يرقى مفهوم العقد الاجتماعي عند البعض الى المرتبة التي يتطلبها بناء دولة التطور ودولة الحق والحرية والمساواة بين الناس , ذلك عاد الى كون بعض الفئات السورية مثل الاخونج لم تملك المقدرة على التعامل مع الآخر بشكل يكفل تطوير المجتمع الى الأفضل والأرقى اي المقدرة على بناء دولة , والاخونجية اصلا لايريدون دولة او وطن لكونهم امميون , والدولة في هذا العصر قومية , لذا شكلوا فئة دينية مغلقة على الدين , أي شكلوا عصبة فئوية دينية اعتمدت في تكوينها على اقصاء الآخر وقمعه ورفض المساواة معه .
كون الآخرين مواطنين بحقوق وواجبات وعليهم مسؤوليات , لذا كان من واجبهم ان يكونوا سندا تنويريا للاخوج, فالاخونجي لم يولد اخونجي انما تحول للعديد من الظروف الى اخونجي , لذلك كانت هناك عدة محاولات للتفهيم والتفاهم والتفهم , اذ لاوجود لشعب في العالم الا ويتضمن بشريا اشكالا مختلفة من المكونات , اي باختصار كل افراد شعب دولة شركاء وكلهم غرباء في آن واحد , رفض الاخونج صيغة الشركاء وأصر على صيغة الغرباء!.
الاقصاء كان الترجمة الوحيدة لصيغة الغرباء ,لذا كانت هناك ضرورة لمواجهة الاقصاء , والنجاح في مواجة الاقصاء محكوم بحجمه وانتشاره , عندما يتضخم الحجم وبالتالي الانتشار ويتعمم يتحول الى وباء او جائحة قد تقود الى استحالة بناء الأوطان, وبناء الأوطان مستحيل عندما تعتبر فئة كبيرة الاسلام دولة وليس دين فقط , اضافة الى ذلك كان هناك تناقض بين النية الشكلية لبناء الدولة وبين القناعة بعدم شرعية الدولة القومية , انطلاقا من المفهوم الأممي الاسلاموي لحياة الشعوب , التي لاتؤمن بالحدود الجغرافية انما بالحدود الديموغرافية الدينية للخلافة اي الدولة شكليا , ففي سوريا الآن خلافة وهناك جهود حثيثة لأسلمة هذه الخلافة بحد السيف , اسلمة الدولة اي الخلافة يعني التضييق على المختلف دينيا اي الغريب ,وبالتالي ارغامه على النزوح كما حدث لاتباع ابن مريم , الذين شكلوا اكثرية شبه مطلقة قبل اربع عشر قرنا , والآن تدنت نسبتهم الى أقل من ١٪ , لقد نزح هؤلاء “الغرباء ” بشكل شبه طوعي, وفي بعض المناطق كادلب طردوا بشكل قسري .
ارتكاس بقية الغرباء مثل العلويين والدروز والكرد كان مختلفا للعديد من الأسباب ,هؤلاء يصرون على البقاء , هنا رأت السلطة الأموية ضرورة ممارسة التنظيف العضوي , أي ارتكاب المجازر بحق تلك الفئات , التي حاولت الدفاع عن نفسها , اضافة الى العلويين والدروز والأكراد هناك فئات محمدية أخرى تشعر بالغربة في هذه البلاد , اذ ليس كل المحمديين امويين , وبين الأمويين وبقية الفئات المحمدية الأخرى كانت هناك مجازر دموية مروعة , لولا الضعط الدولي لما بقي علوي او درزي أو كردي واحد في البلاد, ولكان مصيرهم في القبور !.
من الطبيعي ان يتعطش كل سوري للسلطة لابل من واجبه المشاركة في السلطة , أما اذا مثلت السلطة غنائم حرب, او اذا اصبحت السلطة غنيمة فليس من المنتظر أن يتقبل مغتنم الغنائم مشاركة غيره من الذين يعتبرهم غرباء .
يبرر المغتني بالغائم احتكار الغنائم بالعديد من المبررات منها ارادة الشعب التي تمثلت بنتائج استفتاء “اسدي” من نتائجه اعلان ١٠٠٪ من السوريين ولائهم للأسد ومن بينهم كان بالتأكيد من سحلهم وقتلهم الأسد , الآن يتم تكرار التبرير بصيغة اقل مطلقية , اذ يدعي اتباع الجولاني ان ٩٥٪من السوريين يقفون ورائه , حتى بدون استفتاء او انتخاب شكلي وحتى مع ارتكابه للمجازر غرب البلاد وجنوبها وشرقها, فهؤلاء في غرب البلد وجنوب البلد وشرق البلاد “غرباء ” يجب تصفيتهم للحفاظ على تجانس الأمة وتوحيد كلمتها وتنظيفها من النجس على يد المجاهدين في سبيل الله !,هل الله مواطن سوري ؟
Post Views: 5