سمير صادق, ممدوح بيطار :
بغض النظر عن الخطب العصماء الصماء , يجب القول بأن الجوع المتزايد والفقر بدون سقف كان واقعا حسابيا, فعندما لاتتوفر للانسان امكانية تمويل طعامه وشرابه , سيصبح حتما جائعا, سواء انتصر الشعب العظيم على الناتو أو لم ينتصر , ثم أن مسألة التمويل عويصة ومعقدة , اذ كان هناك فرقا كبيرا بين الراتب والدخل , فالراتب كان لقاء العمل في الوظيفة مثلا , والذي لايتجاوز نصف ساعة يوميا حسب ادعاء سيادة رئيس وزراء سابق , أما الدخل فهو العامل الرئيسي في التمويل ومصدره بشكل رئيسي كان ريع الفساد , الذي وفر التخمة والتدفئة للبعض , وحسب أحكام منطق الفسلد الريعي يمكن القول بأن اثراء وتخمة شخص فاسد يترجم افقار وجوع ألف شخص لابل عشرات الآلاف من الأشخاص !
من فكر في شجون الراتب, وقارنه مع الضروري جدا من المصاريف والتكاليف , وصل الى النتيجة التي تؤكد استحالة الحياة اقتصاديا في الوطن الحبيب , فالفرد في هذا الوطن أصبح أفقر بشر المعمورة , ناهيكم عن استحالة الحياة سياسيا أو أمنيا أو اجتماعيا , في مجتمع تحول الى ذباب وذئاب , ملاين من البشر أطفال وشباب وكهول أصبحوا جياع , وكان لهم أن يشبعوا لولا الفساد ولولا سرقتهم مثل سرقة المساعدات التي ترسل اليهم من الأمم المتحدة اي عمليا من الغرب , حيث كان يرسل يوميا حوالي ٣٦ مليون وجبة طعام سرق معظمها او حتى كلها وعرضت للبيع في البقاليات .
لايمكن الشك بوجود جائحة الجوع وعواقبه والبرد القارس واختلاطاته , عندما يرى الجائع البردان في جوارنا وفي بيتنا وبيننا , الجوع وحش يأكل الانسان حيا , البرد حيوان يحرق الانسان حيا , تحولت البلاد بسبب ذلك الى مدفن كبير بحجمها , الفقر كفر ومقبرة , الأرقام والواقع يؤكدون كل ذلك , فميزانية الدولة رسميا كانت 6 مليارات دولار , بينما ميزانية 150 شخص في البلاد كانت 275 مليار دولار , ميزانياتهم تعني موجوداتهم بفرق يساوي الصفر.
الجوع الذي عانى منه أكثر من خمسة أسداس الشعب السوري, يعاني منه الآن ستة أسداس الشعب السوري تقريبا , أي أنه أصبح وباء اصاب كل الشعب السوري , ألا أنه من الممكن التعرف في هذا الشعب على فئات متباينة جدا في حجومها وخصائصها , هناك فئة تحت خط الفقر , وفئة تحت خط الفقر الشديد, وفئة تحت خط الفقر المدقع , وفئة صغيرة جدا فوق خط الفقر, انها الفئة التي جلست فوق خط القانون , مثل الأسود وأقربائهم وأنسبائهم وزبوناتهم ومأجوريهم وشبيحتهم ومرتزقتهم ..الخ ,هؤلاء مارسوا النهب والسرقة حصرا ,فمن اراد في جمهورية الخوف والجوع ان يجلس فوق خط الفقر, عليه أن يجلس فوق خط القانون.
من الصعب فبركة واقعا افتراضيا للحياة , واقعيا وموضوعيا لم يكف أي راتب شهري رسمي لتغطية مصاريف نصف يوم في الشهر ,السوريون جياع ان فبرك المفبركون او لم يفبركوا واقعا افتراضيا معاكسا للواقع الحقيقي العملي الموضوعي الملموس , جائعون سواء نفت قناة الميادين ذلك او أكدت قناة الجزيرة ذلك , كلهم …. كلهم …. جياع , حتى انه لم يعد بمقدور الفساد اشباع ابطاله , حتى اللصوص جاعوا والمعفشون جاعوا والمجرمون جاعوا والشبيحة جاعوا , فالسرقة أصبحت صعبة , لأنه لم يعد هناك ما يسرق , لذلك تقلصت فئة المرتزقة , وبقي منها كوكبة قليلة العدد الا أنها شرهة وشرثة وجدت دائما من يحتاج لها وتجتاج له , لولا آلية الحاجة المتبادلة لما تم استقبال بعض شبيحة الماضي القريب بحفاوة ملحوظة ولما كانت هناك ظاهرة ” التكويع ” الممثلة لابشع اشكال الرياء والابتذال.
حصر “النعيم “ الحياتي ”بنعيم ”امتلاء المعدة , يحول المخلوق البشري الى مخلوق حيواني , اختذال وظائف الحياة بوظائف المعدة والأمعاء والشرج والفرج يعني اختزال الانسان الى حيوان قطيعي للعلف والتناسل أي مخلوق الفرج والشرج , الجوع الذي ينتهي بالموت يأخذ مشكلته معه , والمشكلة ليست بالأموات فقط , انما في تحول كامل المجتمع الى حيوانات لاتحلم بأكثر وأرقى من متطلبات الشرج والفرج ,لقد تمكن الفساد بنجاح من ازالة “ورم” الأنسنة عن المخلوق السوري, الذي تحول الى ذئب أو ذبابة في أحسن الأحوال.
من الملاحظ وجود ظاهرة التجاهل الاجتماعي لاختفاء الموت الطبيعي , وحلول الموت الاصطناعي القسري مكانه , ان كان بواسطة ما يسمى الشهادة في القتال في سبيل الله او بالجوع او بالاغتيال في السجون تحت التعذيب , او التقتيل في الحروب الانتقامية او الدينية او العنصرية وفي ممارسة العنف ليس الجسدي فحسب انما اللفظي منه الخ , ينفي التجاهل الاجتماعي خاصة “ الوعي ” الاجتماعي , وينفي خاصة التمرد الاجتماعي , ويؤكد خاصة الطاعة والخنوع والخضوع , ينفي التجاهل وجود مجتمع , فلولا التجاهل الاجتماعي ولولا تجذر ثقافة الطاعة والانصياع وفساد غنائم الحرب في النفوس , لما تمكن شخص او عدة أشخاص أو فئة من تجنيد ذلك العدد الكبير من افراد تلك القبائل في مشروع الفساد , التأهيل لممارسة الفساد كان هويتهم جميعا, لا فرق نوعي بين رئيس ومرؤوس منهم , كلهم لصوص وقتلة بدون وعي اخلاقي او حتى انساني , ما آلت اليه هذه البلاد ليس الا نتيجة منطقية لنوعية أخلاق شعوب هذه البلاد ولنوعية تكوينهم النفسي – العقلي!.
