ربا منصور,سيريانو :
لايريد دولة الخلافة الخيالية تقديرا أكثر من 5% من أفراد الشعب , اضافة الى كون تلك الدولة ممنوعة باتفاق أو قرار دولي , لذلك فان اقامتها أو استمرارها بعد ما يشبه الانقلاب أمرا شيه مستحيل , وحتى اقامة واستمرار ماتسمى دولة مدنية بمرجعية دينية مستحيل بسبب الرفض الداخلي والخارجي لها .
كيف يمكن أن تكون الدولة مدنية ,وبنفس الوقت ذات مرجعية دينية ؟,حتى بعض المشايخ لايؤمنون بهذا النفاق , بعضهم يمارس نفاقا آخر في أمر الدين والدولة , يقولون مثلا ان الدولة المدنية قامت في أوروبا على الظلم البابوي , حيث فسدت الكنيسة وأفسدت ,اما الدين الحنيف والخلافة فلم يكن فاسدا أو مفسدا! , لذلك لا حاجة للدولة المدنية بالشكل الغربي في هذه المنطقة , انما فقط لمرجعية دينية لدولة “مدنية ” على غرار الخلافة !!!!! ,المهم هي “المرجعية ” الدينية التي تقوم على مبادئ العدل المحمدي والشورى والولاية ومسؤولية الحاكم امام الله وليس امام الشعب, اضافة الى ذلك فرض طاعة الخالق المطلقة والانصياع الأعمى لارادة رجال الدين أي أولياء الأمر.
مفهوم الدولة المدنية بمرجعية دينية متناقض في ذاته, وممثلا للنفاق الأعظم المتمثل بمحاولة ارضاء الجميع شكليا ( امساك العصا في المنتصف), فالمدنية ذات المرجعية الدينية مراوغة اضافة الى كونها متناقضة , لا هي مدنية كما انها ليست دينية ! , ولكن تطورها الى دولة دينية شبه حتمي , مما سيضرب مبدأ ” المواطنة ” بمقتل ويفتح باب جهنم في المجتمع , اذ لامعارضة في الدولة الدينية , ولا تكافؤ فرص ولا مساواة ولا حريات ولا ديموقراطية ولا حقوق للانسان الفرد خاصة المرأة , الحقوق للدين خاصة لرجال الدين فقط , وبذلك تكتمل صورة الديكتاتورية الدينية واستعمار الدين للانسان , أصلا لاحقوق للدين على البشر ومن الرياء القول ان الدين يعطي الحقوق للبشر , الدين ينتهك حقوق الناس ويتطفل على البشر , ولماذا على البشر تمويل رجال الدين وتمويل المعابد , وماذا يمكن للدين ان يقدم للبشرية سوى هراء الجنة وحورياتها وهراء جهنم ونارها اضافة الى بعض القيم الشريرة البالية حتى في سياقها التاريخي ,والآن فقدت صلاحيتها بالكامل , لأن ظروف الحياة تغيرت بالكامل , ولم يعد على سبيل المثال للزنا وجود ولا وجود بالتالي لرجم الزانية او الزاني , ولا وجود للفتوحات بتلفيقة نشر الدين , ولا وجود للمرأة ناقصة العقل والدين كما انه لاوجود لشهادة رجل تعادل شهادة امرأتين , عمليا تم الغاء الدين بالغاء القيم التي لم تكن صالحة حتى للزمن الذي صنعت به ,مثل مبدأ حرية اختيار العقيدة المرفق بمبدأ قتل المرتد , ثم مفارقة منع المرأة من العمل كقاضية , لأن ذلك العمل متعارض مع الشريعة, التي ترى ان جلوس المرأة على منصة القضاء وهي حامل يؤثر على هيبة القضاء , واجتماعها مع الآخرين للمداولة يمثل خلوة غير شرعية , لايسمح المجال لذكر كل اشكاليات المرجعية الدينية ,لذلك سنكتفي بالأمثلة التي ذكرت .
سعي الاخونج لاقامة الخلافة وتطبيق الشريعة اثار مخاوف الأغلبية العظمى من الشعب , فالأقليات الدينية لاتريد ذلك , ومعظم الأكثرية السنية لاتريد ذلك , الأكثرية العظمى تريد فصل الدين عن الدولة حسب مبدأ الدين لله والوطن للجميع ,وتريد أن تكون الدساتير على مسافة واحدة من المواطن مهما كان توجهه الديني ,تريد المواطنة المساوية للجميع في الحقوق والواجبات, عمليا ستقود طروحات وممارسات الاخوان الى التقسيم ,وبالتالي تتقاطع طروحات الاخونج مع الطروحات الاستعمارية ,لربما عن غير قصد , أو عن جهل ,الا أن التقاطع واقع , ونتائجه ستكون كارثية على الشعب وعلى وطن هذا الشعب .
للاخوان منطقا خاصا بهم ,انهم يرون انه لهم حق في التنظيم السياسي والعمل السياسي كفئة دينية , وذلك انطلاقا من ان المحمدية دين ودولة , وتطبيقا لمبدأ المساواة , يجب على الاخوان تقبل وجود اخوان آخرين ,ولماذا لايوجد اخوان مسيحيين أو علويين ..اسماعليين .أرمن .شركس ..موارنة .. أقباط ..الخ , كيف سينظر اخونج السنة الى غيرهم من الاخوان ؟وكيف على الآخرين من الاخوان القبول بالشريعة السنية ؟التي لاتتطابق مع شرائعهم , النتيجة ستكون رفض الشريعة السنية من قبل ماتبقى من”اخوان” , وما هي عواقب رفض الشريعة السنية ؟ أو الانحراف عن مايسمى الصراط االمستقيم !,هنا ستتطور الحالة حتما الى خلاف عميق ثم الى العنف اي الحرب الأهلية .
تاريخ الاخوان يقول بصراحة, من يبتعد عن الصراط المستقيم , سيكون مصيره كمصير الحلاج أو السهروردي أو أبي نواس أو بشار بن برد ..الجلد واحراق الكتب والقتل والصلب والرفض والتنكيل , كما حدث قديما لابن رشد والرواندي وابن حيان , وحديثا لطه حسين وفرج فودة ونجيب محفوظ وحسين مروة الخ, أي أن النتيجة كانت ممارسة العنف القابل للتحول الى حروب أهلية , التي ستقود اما الى انقراض أو تهجير فئة او فئات كما حدث في العراق ويحدث في سوريا ,أو تقسيم البلاد ثم الخلاف على حدود الأقسام , كل ذلك قد يستمر لقرون كاملة,اي ان الدولة ذات المرجعية الاسلامية هي الدولة ذات المستقبل الحربي االعدمي الاندثاري المزمن .
لايمكن لعاقل أن يتجاهل او يسكت على منهجية العدم والحرب , التي تنتهجها أي فئة “اخوانية ” ان كانت سنية أو غير سنية , ولا يمكن لذوي العقول القبول بمرجعية الآيات والسنة ,لأن هذه المرجعية ليس مرجعية الجميع , ولأن هذه المرجعية لم تبرهن عن صلاحيتها لكل زمان ومكان , انه من السهل نسبيا التخلص من حكم استجلب الفكر القمعي الاستبدادي والطغيان كما هو الحال مع الديكتاتوريات السياسية , اذ لايمثل هذا الفكر أمرا متعضيا به ومبدئيا له , أما في الدولة الدينية فالفكر القمعي والمنهجية الدينية متعضية به ومبدئية له ,فالمحمدية دين ودولة ولكل زمان ومكان , وعلى الانسان تقبل أحكام وقواعد الدين حتى لو بلغ عمرها عمر عصر الحجر !.
بالرغم من تفاهة وعدم صلاحية المفاهيم الاخونجية , فالاخونج يؤمن بها , ويحارب ثم يقتتل ويقاتل من أجلها وفي سبيلها ,ومهما كانت علاقة دولة الاخونج بمرجعية دينية مع قضية الايمان والاعتقاد, فلا سبيل للسماح بها , الاصرار عليها مترافق مع انتهاج العنف سبيلا للوصول اليها , هو المؤسس للعنف لدى معارضيها , نعجب من تأخر انتهاج العنف شعبيا عند المعارضين للاخونج , اننا سعداء بهذا التأخر , لكن نخشى أن لاتدوم تلك السعادة أ .
سوف ننهي هذا المقال بالقول ان القرن الحادي والعشرين اغلق الأبواب أمام الفكر التخريبي الحربي الجهادي الديني , لكن المجتمعات العربية لاتزال كما كانت خارج التاريخ ,ولا تزال تتردد وتتعثر وتنشغل بالعقم المعاد المكرر , الذي قاد ذلك الى التأخر والفقر والفشل, ثم فقدان ٤٥٠ مليون عربي للأهمية والفاعلية والتأثير في العالم , من لايقدم شيئا ايجابيا للتاريخ البشري , لايقدم له هذا التاريخ شيئا , لايمثل الهروب واللجوء والتطفل على موائد الغير صنعا للتاريخ, انما نعوة تعلن موت تلك المئات من الملايين !.
