ربا منصور,سمير صادق :
لقد كان أول ظهور علني للعلمانية في هذه المنطقة , وبشكل رسمي كمفهوم قبل ثلاثة عقود , وذلك في اطار نقاش تم في دار الحكمة في القاهرة بين القرضاوي ومحمد الغزالي من جهة الاسلاميين وبين فؤاد زكريا وفرج فودة من الجانبي العلماني , فالعلمانية كانت شيئا مجهولا بالنسبة للعامة , اصبحت بنظر البعض بعد حملات التشهير والتكفير رمزا للشر والكفر , وبنظر آخرون رمزا للخير والتقدم .
ولكن بالرغم من كل ذلك تحولت العلمانية في العقود الأخيرة محليا الى منهجية بمنتهى الأهمية , لقد تحولت الى السد المانع والمقاوم للمد الديني السياسي , ومحاولة دمج الدين بالدولة , اي بكلمة أخرى لمقاومة تدين السياسة واقامة الدولة الدينية , لو كتب لفرج فودة وفؤاد زكريا ان يكونوا بيننا الآن , لأصيبوا بدهشة عارمة , بسبب تمدد العلمانية وتبوئها للقطب المقاوم للمد الأصولي الديني , وذلك بالر غم من عمرها الصغير مقارنة بعمر الاسلام السياسي الطويل .
سأحاول في هذه السطور التركيز على التاريخ الحديث جدا , سوف لن اتطرق لتفصيلات علمانية المسيح , وسيكون التعرض لعلمانية انطون سعادة مختصر جدا , يسعادة الذي مثل العلماني الأول في هذه المنطقة , تحدث وفكر وفسر العلمانية دون أن يستخدم مفردة علمانية , اذ لا وجود لهذه المفردة في ادبيات الحزب السوري القومي قبل مقتل سعادة , بعد وفاته تطور الأمر واصبح للفكر السوري القومي الاجتماعي عنوانا هو العلمانية .
بالمقابل كان بشار الأسد أول مسؤول سياسي وطائفي عربي يستخدم مفردة علمانية , ولكن بعكس سعادة , الذي وعي المضمون بعمق كبير , قد يكون دافع بشار الأسد لاستخدام هذه المفردة باعتبار سوريا ” المعقل الأخير للعلمانية في هذه المنطقة” , ابتزاز الغرب او التملق للغرب ! , لم يكن بشار الأسد على ادراك ووعي بالعلمانية , وعلمانية بشار الأسد كانت ببعدين , الأول تمحور حول ضرورة مكافحة الفصائل الاسلامية السنية كداعش والنصرة من خلفية الاستقطاب مع المحور الشيعي , اما البعد الآخر فقد خص الأقليات وضرورة حمايتها , الا أن المقصد الحقيقي كان ضرورة هيمنة الطائفة العلوية أو الطائفة الأسدية المستحدثة على البلاد , الأمر في جوهرة تحكم وهيمنة , الأقليات الأخرى لم تكن جديرة بالحماية , وهكذا انفصل المسيحيون عن البلاد وساروا في طريق الهجرة , الأكراد ساروا في طريق الاستقلال او الحكم الذاتي , الدروز في طريق الاستفادة من الحماية الاسرائيلية …الخ
تمركز معظم بعد حماية الأقليات حول الدلالة الحرفية للمفردة …. أي الحماية الجسدية , مضافا الى ذلك اطلاق يد أقلية لممارسة الفساد المطلق والمحمي من قبل السلطة , لم يتضمن مشروع حماية الأقليات “العلماني ” نواحي أخرى , مثل ضمان حرية التعبير , وحرية ممارسة اقلية لثقافتها , كالاكراد , وبذلك مثلت علمانية بشار الأسد تجاهلا تاما للتعددية ,عن طريق فرض العروبة على الغير , وبالتالي الغاء حرية الضمير وحرية الفكر بشكل عام … سياسي او اجتماعي او تاريخي .. , اضافة الى ذلك تجاهلت علمانية بشار الأسد مبدأ فصل الدين عن الدولة , باختصار استخدم الأسد كأول مسؤول عر بي عام ٢٠١١ مفردة علمانية , دون ان يدرك مضامينها , بل بالعكس يمكن اعتبار كل ماقام به كان من خلفية اصولية دينية متمحورة حول المحور الشيعي , سعادة فهم وفند وحلل العلمانية وشرح احكامها ومبادئها , التي ذكرت في ادبيات الحزب تحت اسم المبادئ الاصلاحية ,لم يعرف بشار الأسد من العلمانية أكثر من الاسم ,مارس شيعيته او علويته السياسية على نسق مشابه لنسق الاخوان المسلمين السنة ,
المسؤول الآخر كان اردوغان, الذي كان بخصوص العلمانية في حالة دوخان , من ناحية نصح مرسي عام ٢٠١١ مرسي باقامة نظام علماني , من ناحية أخرى صرح الجهبذ التركي في مصر , ان العلمانية لاتعني أن يكون الشخص علماني , وعن نفسه قال , فأنا مثلا لست علمانيا , لكنني رئيس وزر اء دولة علمانية , حتى مأمور النفوس لايسمح لنفسه بمقولة كمقولة اردوغان , تصوروا ميركل وقولها انها ليست ديموقراطية , الا انها مستشارة او رئيسة وزراء دولة ديموقرقراطي ,
لم يكتف الجهبذ اردوغان بذلك , بل طور فهمه للعلمانية بقوله ان العلمانية ليست سوى حرية الاعتقاد والقصد هنا الاعتقاد الديني ,وبذلك اختصر اردوغان العلمانية بجزء بسيط جدا منها ,هو حرية الاعتقاد , لكنه وفي حالة من الاضطراب الفكري , لم ينتبه الى الاساسي في الموضوع وهو فصل الدين عن الدولة.
لم تقتصر الجهبذة على الأسد وعلى اردوغان , ففي المجال الفكري كان هناك وافر من الخربطات بخصوص العلمانية , التي وجد حسن حنفي جوهرها في الاسلام , ففي حوار نظمته جريدة اليوم السابع مع محمد عابد الجابري وحسن حنفي , وجد الأخير ان الشريعة الاسلامية هي جوهر العلمانية , هناك العديد من الأمثلة عن فهم العلمانية المشوه من قبل مسؤولين كبار ,وسأكتفي بالأمثلة الثلاثة .
من يقارن اقوال وتصريحات وممارسات الثلاثة مع الرصيد المعرفي – الثقافي بشقيه العقدي والمؤسساتي للحركة السورية القومية الاجتماعية يصاب بالذهول والدهشة من الأمية الفكرية عند البعض كالأسد واردوغان وحنفي, , لقد عرفت السورية القومية الاجتماعية العلمانية بأنها نظام فكر ونهج ونظام وثقافة , متميزة في خطوطها العريضة عن غيرها بالعديد من المباديء , مثل مبدأ فصل الدين عن الدولة , ومبدأ منع رجال الدين من التدخل في شؤون السياسة , ثم ازالة الحواجز بين الطوائف , وفي سياق شرحه لهذه المبادئ الاصلاحية , قال سعادة , ان دولة الأمة السورية الجديدة : “تقف إلى جانب الأفكار الدينية الفلسفية أو اللاهوتية المتعلقة بأسرار النفس والخلود والخالق وما وراء المادة ,أو الماورائيات” ولكنها – أي دولة الأمة السورية – تحارب وتقف ضد الوجهة المدنية السياسة للدين , اي الدين السياسي , أي أنه”لايمكننا ونحن نبغي الصحيح أن ننظر إلى الدين بمنظار سياسي ولا إلى السياسة بمنظار ديني ,” يحسن أن يكون الإنسان مؤمناً في الدين ولا يحسن أن يكون مؤمناً في السياسة” . وفي رسالته الى غسان تويني كتب سعادة “لا تتدخل القومية الاجتماعية في مسائل الأيمان الديني ولا تريد أن تفرض “حقائق دينية” معينة على أعضائها , فليؤمن من شاء بما شاء وليجهر كل ذي رأي برأيه , وليوافقه من يشاء وليخالفه من شاء” الأيمان الديني يمتحن به الإنسان في دينه لا في قوميته, إن الأمة والدولة وشؤونهما السياسية والإدارية والاقتصادية والحربية والحقوقية والقضائية ليست من شؤون الدين .
كانت تلك بعض مبادئ الحركة السورية القومية الاجتماعية كما صاغها سعادة قبل موته وأكملها الحزب بعد وفاته , ما قالته الحركة يمثل العلمانية الحقيقية الواعية العلمية , التي لاتمت بأي صلة الى هراء الأسد أو اردوغان أو حنفي والعديد من العروبيين والاسلاميين
